قال: والتحقيق أن الله يشرَع الأحكام من أجل حكمٍ باهرة ومصالح عظيمة، حينئذٍ كل حكمٍ شرعي، بل كل مخلوقٍ في هذا الوجود فله حكمةٌ علمها من علمها وجهلها من جهلها، فلا يخرج فعلٌ من أفعال الباري جل وعلا عن حكمته، ولا يخرج أمرٌ شرعيٌ أو أمرٌ كوني أو نهيٌ شرعي .. أو نحو ذلك، أو قضاء، أو حكم .. إلا وهو لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
إن الله يشرع الأحكام من أجل حِكَم باهرة ومصالح عظيمة، ولكن المصلحة في جميع ذلك راجعة إلى المخلوقين الذين هم في غاية الفقر والحاجة إلى ما يشرَعه لهم خالقهم من الحِكَم والمصلح، فهو جل وعلا غنيٌ لذاته الغنى المطلق سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.
إذًا: ثَم أحكامٌ مرتبطة بالمصالح.
قال هنا: (مُجَرَّدُ أَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ نَصَبَهَا) يعني: أقامها (الشَّارِعُ دَلِيلًا) {يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُجْتَهِدُ} (عَلَى الْحُكْمِ) يعني: {وِجْدَانِ الْحُكْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ} .
وهذا التعريف ليس بصحيح على الإطلاق.
قال في التحبير: فأصحابنا والأكثر بل هو قول أهل السنة -نسبه لأهل السنة-: أن العلة هي المعرِّفة للحكم لا مؤثر. وهذا باطلٌ لأنه موافقٌ لعقيدة الأشاعرة وليس لأهل السنة .. أن العلة هي المعرِّفة للحكم لا مؤثر؛ لأن الحكم قديم فلا مؤثر له.
فإن أُريد تعلُّق الحكم بالمكلف فهو بإرادة الله تعالى لا بتأثير شيءٍ من العالم.
وعرَّف العلة بأنها وصفٌ ظاهرٌ منضبطٌ معرِّفٌ للحكم.
إذًا: جرى المصنف كعادة كثيرٍ من الأصوليين من الحنابلة وغيرهم على ما ذكره المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم، والصواب أن يقال: بأن العلة هي الوصف المشتمل على حكمة.
إذًا: عندنا وصفٌ، وهذا الوصف مشتمل على حكمة باعثة على تشريع الحكم، وهو الحق.
وسيأتي بحث ما يتعلق بالعلة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!