وثَم أقوالٌ للمعتزلة مر معنا شيءٌ منها في مباحث خطاب الوضع؛ لأنه عد العلة هنا والأسباب والموانع داخلة.
قال هنا: {وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ شَيْءٌ مِنْ الْعَالَمِ مُؤَثِّرًا فِي شَيْءٍ} .
هذا ليس عند أهل السنة، هذا عند أهل البدعة من الأشاعرة ونحوهم.
{بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ فِيهِ، فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِرَادَتِهِ} .
وهذا مبناه على مسألة السبب والمسبَّب -السببية-، وهذه حجة الأشاعرة هنا.
{وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ شَيْءٌ مِنْ الْعَالَمِ مُؤَثِّرًا فِي شَيْءٍ، بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ فِيهِ، فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِرَادَتِهِ} .
نقول: الله عز وجل جعل الأسباب وما يترتب عليها من مسببات، فهو الخالق أولًا وانتهاءً، ثم كونه ربط هذا المسبَّب بهذا السبب، وجعلَ له تأثيرًا خاصًا لا يخرج عن إرادته جل وعلا. هذا لا ينافي أن يكون الله عز وجل هو الخالق وحده دون ما سواه، فالشَّبَع يحصل بالخبز، والرِّي يحصل بالماء .. وهكذا، وهذا لا إشكال فيه.
قال: (زِيدَ مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِمَصَالِحَ دَافِعَةٌ لِمَفَاسِدَ) .
(زِيدَ) يعني: زاد ابن عقيل وغيره.
{أَيْ: وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِّ} ونص عليه في التحبير بأنه ابن عقيل وغيره من الحنابلة.
(مَعَ أَنَّهَا) يعني: مع ما سبق من كونها مجرد أمارة، كذلك (مُوجِبَةٌ لِمَصَالِحَ دَافِعَةٌ لِمَفَاسِدَ) .
يعني: ليست مجرد أمارة كما عبَّر هنا: {لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَمَارَةِ السَّاذَجَةِ} التي لا عبرة بها ولا تدل على شيءٍ البتة، وإنما ثم ارتباطٌ بها. وهذا الارتباط ليس لكونها مؤثرة أو لها تأثير، وإنما جعلَ الشارع هذا عند ذاك. هذا المراد بكون المصالح هنا مرتبة على العلل.
فقَرَن بين العلة التي هي مجرد أمارة مع مصلحة، وهي ما يسمى عندهم بالحكمة.
حينئذٍ هل ثم تأثير لهذا الوصف أو هذه الأمارة في المصالح في إيجادها، هم لا يرون ذلك وإنما يرون المصلحة وُجدت عند العلة، ولا أثر للعلة في تلك المصلحة.
يعني: لم يُشْرع الحكم من أجل هذه المصلحة فثبتت العلة، بل وجودها كوجود .. كما يعبِّرون بماذا؟ وُجد الانكسار عند الكسر لا به.
هنا كذلك وُجدت المصلحة عند العلة التي هي أمارة لا بها، ونحن نقول: لا. وُجدت بها يعني: لها تأثير.
وهذا لا يخرج عن كونه فعلًا للباري جل وعلا.
ولذلك قال: (مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِمَصَالِحَ دَافِعَةٌ لِمَفَاسِدَ) .
ثُم التعبير بـ (مُوجِبَةٌ) هذا فيه موافقة للمعتزلة.
{لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَمَارَةِ السَّاذَجَةِ} الساذَجة التي لا حكم معها، أو الشيء الذي لا يُلتفت إليه، وهي كلمة مُعرَّبَة.
{لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الامْتِثَالِ} .
انظر هنا: ليس فيها بعث وإن كان هذا لا يُعبَّر فيه من جهة الباري جل وعلا، لا علاقة لهذه العلة بالباري جل وعلا ليشرَع الحكم من أجلها، وإنما هي باعتبار المكلَّف! هذا تأويل.
يعني: الباري جل وعلا لم يقصد أن يرتب هذا الحكم لأجل هذا الوصف، وإنما البعث جاء من جهة المكلَّف.