قال هنا: {لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الامْتِثَالِ، لا أَنَّهَا بَاعِثَةٌ لِلشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ} .
هذا الذي نفاه هو مذهب أهل السنة والجماعة: أنه ما من حكمٍ إلا وهو معلَّلٌ، وأن الله تعالى أراده لحكمة كذا.
ولذلك قال: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] فعلة الخلق هي العبادة.
أراد الله عز وجل أن يخلق الخلق من الجن والإنس لحكمة هي العبادة. إذًا: علَّل حُكْمَه، اللام هذه ماذا تسمى؟ تسمى لام الحكمة أو لام العلة.
حينئذٍ دل ذلك على أن الباري جل وعلا إنما يفعل لحِكَمٍ، فالحِكَمُ مرتبة على فعله وهي نتائج أفعاله جل وعلا.
فقوله: {لا أَنَّهَا بَاعِثَةٌ لِلشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ} هذا مبنيٌ على أن أفعال الباري لا تُعلَّل.
{أَوْ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةً لِلْعَبْدِ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ، وَإِحْسَانًا لَهُ، لا وُجُوبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى} .
ومر معنا قول المصنف: أنه لا يجب على الله تعالى. قلنا فيه تفصيلٌ على ما مضى.
{فَفِي ذَلِكَ بَيَانُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْبَاعِثُ عَلَى الْحُكْمِ بِكَذَا هُوَ كَذَا، وَأَنَّهُمْ لا يُرِيدُونَ بَعْثَ الشَّارِعِ} كل هذا يريد أن يقرر القاعدة وهي أنه: لا ارتباط بين إرادة الباري جل وعلا وبين هذه العلّة، وإنما هي مجرد أمارة، لم تبعث الباري على أن يشْرع هذا الحكم لأجل هذه العلة، وإنما هي باعتبار المكلَّف .. باعتبار المخاطَب. هذا باطل.
قال: {وَأَنَّهُمْ لا يُرِيدُونَ بَعْثَ الشَّارِعِ بَلْ بَعْثَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الامْتِثَالِ، مِثْلُ: حِفْظُ النَّفْسِ بَاعِثٌ عَلَى تَعَاطِي فِعْلِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ} ومن الذي شرع القصاص؟ ولماذا شرعه؟ أليس هو معللًا؟ معلل (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) ) [البقرة:179] هذا تعليل.
ولو رجعنا إلى لغة العرب لِفَهْم القرآن لما خرجنا إلا بهذه القاعدة: وهي أن أفعال الباري جل وعلا معلل، (( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ) ) [الحشر:7] ، لكذا .. وحينئذٍ نقول: لأجل (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا ) ) [المائدة:32] كل هذه تدل على العِلِّية.
مِثْلُ: حِفْظُ النَّفْسِ بَاعِثٌ عَلَى تَعَاطِي فِعْلِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ.
أَمَّا حُكْمُ الشَّرْعِ: فَلا عِلَّةَ لَهُ وَلا بَاعِثَ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَادَ الْمُكَلَّفُ لامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَخْذِ الْقِصَاصِ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ وَسِيلَةً لِحِفْظِ النُّفُوسِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ عَلَى الانْقِيَادِ، وَأَجْرٌ عَلَى قَصْدِ حِفْظِ النَّفْسِ. وَكِلاهُمَا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ ) )، وقال سبحانه: (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) ).