إذًا: هذه الأحكام الشرعية كلها معلَّق على علل، وهذه العلل لو نظرت فيها وجدتها ماء، لماذا يُتوضأ بالماء دون غيره؟ تقول: لأنه ماء.
لماذا يُتيمم بالتراب دون غيره؟ تقول: لأنه تراب، وجاء التخصيص وتعليق الحكم بالتراب فهو علَّة له.
وكذلك جاء التخصيص في الوضوء بالماء، فهو عِلّة له.
حينئذٍ حصرُ الحُكم الشرعي وهو أنه يتعين أو يجب الوضوء بالماء. نقول: هذا مُعللٌ في الوضوء لأنه ماء، ومعللٌ في التيمم لأنه تراب.
إذًا: عُلِّقت هذه الأحكام الشرعية هنا بألقابٍ كالذهب والفضة والتراب والماء.
{وَقِيلَ} القول الثاني {لا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِاللَّقَبِ} وهو مذهب أبي حنيفة.
قال الشيرازي: وهو خطأ -يعني: نفي التعليل باللقب- لأن كل معنى جاز أن يُعلَّق الحُكم عليه من جهة النص جاز أن يُستنبَط من النص ويُعلَّقُ الحكم عليه كالصفات والأحكام.
سيأتي معنا أنه قد يعلَّل بالأحكام الشرعية .. الحكم الشرعي يُجعل علَّة، ولا شك أن الحكم الشرعي من حيث هو هذا جامد ولا شك في ذلك، هو داخلٌ في مفهوم اللقب.
ولذلك غلَّط أبو إسحاق الشيرازي هذا القول؛ لأنه لو جاء الشرع بقوله: يُتيمم بالتراب لأنه تراب. هل يُمنع هذا؟ لا يُمنع.
إذا كان لا يُمنع فحينئذٍ لا بأس أن نستنبط من النص ما يكون علّة ويكون لقبًا .. ما دام أنه لا يمتنع شرعًا أن يقول: أوجبت التراب في التيمم لأنه تراب، وأوجبت الماء في الوضوء والغسل لأنه ماء. هذا العقل لا يمنع منه، والشرع لا يمنع من ذلك.
إذًا: جاز التعليل لو جاء به النص، بل لو اعتبرنا ذلك عللًا في الأدلة الدالة على تعيُّن الماء في الوضوء وفي الغسل، وكذلك التراب. لصح أن يُعلَّق الحكم به، ما دام أنه جاء في الشرع كذلك إذًا يُستنبط من الدليل الشرعي ما يكون اسمًا لقبًا ويُجعل هو مناط الحكم، قال: لا مانع من ذلك.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَوَقَعَ فِي الْمَحْصُولِ حِكَايَةُ الاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالاسْمِ} .
يعني في المحصول الرازي حكى الإجماع على صحة مذهب أبي حنيفة وهو المنع من التعليل باللقب.
قال: {كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًًا} .
لماذا حُرِّمت الخمر؟ لأنه خمر. هذا مجرد مثال، ولو علل بما نُقل عن الإمام أحمد لكان أقرب: لماذا وجب الماء في الوضوء؟ لأنه ماء، وهو كذلك لأنه ماء؛ لأن الشرع علَّق الحكم على الماء.
قال: (( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) ) [النساء:43] إذًا: عند عدم وجود الماء نقَلَنا إلى التراب.
إذًا: عند وجود الماء لا يجوز العدول عنه، فدل على أن الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا.
فمتى ما أمكن استعمال الماء نعلّقه بالإمكان، متى ما أمكن استعمال الماء تعيَّن الوضوء به أو الغسل، متى ما انتفى نقول: هذا شأن العلّة.
إذًا: صار الماء أشبه ما يكون بالعلة المطردة التي إن وُجدت وُجد الحكم، وإن انتفى انتفى الحكم.
قال هنا: {كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًًا} نعم هذا يُمنع؛ لكونه لم يرد هكذا في الشرع وإنما هو مجرد مثال، ويمكن الاعتراض عليه.