وعرفنا المراد بالغرض، الغرض من حيث اللفظ لا نستعمله، لكن المعنى إن كان المراد به أن التشريع من أجل هذا الوصف لولاه لما شرعه نقول: هذا مسلَّم وهذا الذي نعنيه هنا.
فلولا العبادة وإقامة التوحيد لما خلق الجنس والإنس، حينئذٍ يدور الحكم معه وجودًا وعدمًا (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] حينئذٍ علَّل جل وعلا خلقَه وهو فعلٌ من أفعاله، علَّله بإقامة العبادة، ولذلك اللام هنا لام التعليل.
إذًا: خلقهم للعبادة وقد يَعبدون وقد لا يَعبدون، فالإرادة هنا ليست كونية، قد يعبدون وقد لا يعبدون فالإرادة هنا شرعية قد تقع وقد لا تقع.
إذًا: قول المصنف هنا فيه نظر إلا ما ذكره في القول الثاني: {بَلَى وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ} .
ثم قال رحمه الله تعالى مبينًا لبعض أوصاف وأنواع العلة: (ثُمَّ قَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ رَافِعَةً، أَوْ دَافِعَةً، أَوْ فَاعِلَتَهُمَا) يعني: فاعلة الأمرين: الرفع والدفع.
وهذا مر معنا في الموانع، ولذلك قد تُطلق العلة ويراد بها أعم ما يُعلَّق به الحُكم؛ من كونها وصفٌ أو غير ذلك.
قال: (قَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ رَافِعَةً، أَوْ دَافِعَةً، أَوْ فَاعِلَتَهُمَا) يعني: فاعلة الأمرين الرفع والدفع. هذه ثلاثة أنواع.
(وَصْفًا حَقِيقِيًّا ظَاهِرًا، مُنْضَبِطًا) هذان قيدان للوصف الحقيقي.
(أَوْ عُرْفِيًّا) واشترط له الطرد، (أَوْ لُغَوِيًّا) ولم يشترط له شيء {فِي الأَصَحِّ} .
{فَيَكُونُ الْوَصْفُ الْمَجْعُولُ عِلَّةً ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: فَإِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ دَافِعًا} يعني: للحكم فقط {لا رَافِعًا، وَيَكُونُ رَافِعًا} للحكم {لا دَافِعًا، وَيَكُونُ دَافِعًا رَافِعًا، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ} .
{فَمِنْ الأَوَّلِ: الْعِدَّةُ} الذي يكون دافعًا لا رافعًا {فَإِنَّهَا دَافِعَةٌ لِلنِّكَاحِ} .
ما عُبِّر عنه فيما سبق"مانعة": مانع الابتداء، ومانع الاستمرار، ومانع الابتداء والاستمرار. مر معنا هذا في أقسام المانع.
قال هنا: {الْعِدَّةُ فَإِنَّهَا دَافِعَةٌ لِلنِّكَاحِ} يعني: لحل النكاح.
{إذَا وُجِدَتْ فِي ابْتِدَائِهِ} فحينئذٍ تمنع، فهل يجوز أن يعقد على معتدَّة؟ الجواب: لا، إن وُجد بطل النكاح، فحينئذٍ تدفع الحكم.
{لاَ رَافِعَةٌ لَهُ إذَا طَرَأَتْ فِي أَثْنَاءِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ} .
فالعدة تمنع ابتداء النكاح لكنها لا ترفع النكاح للدليل -المثال الذي ذكره-: الموطوءة بالشُّبهة.
{وَمِنْ الثَّانِي} أن يكون رافعًا للحكم فقط: {الطَّلاَقُ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حِلَّ الاِسْتِمْتَاعِ وَلاَ يَدْفَعُهُ لأِنَّ الطَّلاَقَ إلَى اسْتِمْرَارِهِ لاَ يَمْنَعُ وُقُوعَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ بِشَرْطٍ} يعني: لا يمنعه مع أخرى.
{الثَّالِث} رافعًا دافعًا: {الرَّضَاعُ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ} وهو كذلك {وَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ الْعِصْمَةِ رَفَعَهَا} على المثال السابق.