{وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ يَمْنَعُ مِنْ الاِبْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ} الذي هو الاستمرار {لِتَأَبُّدِهِ وَاعْتِضَادِهِ; لأِنَّ الأَصْلَ فِي الأِرْتِضَاعِ الْحُرْمَةُ} .
إذًا: هذه ثلاثة أنواع للعلة، أشبه ما يكون بالسبب.
قال: {وَتَكُونُ الْعِلَّةُ أَيْضًا وَصْفًا حَقِيقِيًّا} هذا باعتبار ذاتها وصفًا حقيقًا، الأقسام الثلاثة السابقة باعتبار ما يترتب عليها من الحكم يعني: من المنع ورفعه، وأما هذا باعتبار ذاتها .. نفسها.
قال: (وَصْفًا حَقِيقِيًّا) ما المراد بالوصف الحقيقي؟
قال: {وَهُوَ مَا تُعُقِّلَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ} يعني: لا يتوقف على وضعٍ عرفي ولا غيره، لا من جهة اللغة ولا من جهة العرف.
لأن الوصف المُعْتَبر قد يكون من جهة الشرع، وقد يكون من جهة العرف، وقد يكون من جهة اللغة؛ حينئذٍ هي أوصافٌ قد تترتب عليها الأحكام، لكنها تختلف باختلاف ذواتها.
فإن لم يكن بوضع واضعٍ فهو الذي عناه بالوصف الحقيقي. يعني: ما كان من جهة الشارع.
قال: {وَهُوَ مَا تُعُقِّلَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، وَلا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَضْعٍ وإِخبارٍ، كَقَوْلِنَا: مَطْعُومٌ، فَيَكُونُ رِبَوِيًّا فَالطَّعْمُ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ، وَهُوَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ أَيْ: لا تَتَوَقَّفُ مَعْقُولِيَّتُهُ عَلَى مَعْقُولِيَّةِ غَيْرِهِ} .
يعني: بالنظر إليه مباشرة يدرك معناه، فلا يتوقف فهمه على فهم غيره؛ لأن المعاني على مرتبتين: منها ما يُفهم ابتداء مباشرة من اللفظ أو من النص، ومنه ما لا يُفهم إلا باعتبارٍ آخر. لو قلنا الدابة حينئذٍ يرد السؤال: ما المراد بالدابة؟ لا بد من وضعٍ إما لغوي أو عرفي، فلن تفهم لفظ الدابة إلا بالنظر إلى المستعمِل له: هل هو العرف أم اللغة؟
وحينئذٍ يُنظر فيه إلى وضعه، أما الشرع هنا فلا، فيُنظر إلى اللفظ دون اعتبار وضعٍ وإنما هو الشارع فحسب.
قال: {وَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ} يعني: لصحته {أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا يعني: لا خَفِيًّا} .
قالوا كالبَخر في الأسد لا يصح أن يُجعل مناطًا لحكمٍ.
{الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا أَيْ: مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ} منضبطًا يعني: غير منتشر.
خرج به ما هو منتشر وهو ما لا ضابط له، قالوا: كالمشقة، المشقة لا تصلح أن تكون علّة؛ لسببين:
أولًا: لكونها حكمة والحكمة مختلف فيها، هل يصح التعليل بها أم لا؟ وسيأتي بحثها.
ثانيًا: لو قيل بأنها حكمة وصح التعليل بها، لكن لا يصح التعليل بها لكونها غير منضبطة. يعني: تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأشخاص .. ليست مطردة.
إذا قيل مثلًا القصر في السفر للمشقة، قد توجد المشقة في الحضر أشد، فحينئذٍ كيف نقول: هي علّة؟
فإذا وُجد الحكم دون العلة أو بالعكس دل على عدم التعليل بها .. على نقضها.
{أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا أَيْ: مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ} فما لا ضابط له كالمشقة لا يصح التعليل به.
ولذلك لا يُعلَّل إلا بوصفٍ منضبطٍ يشتمل عليها.
قال: {وَلا خِلافَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ} يعني: الوصف الحقيقي، لكن بشرط إذا اشتمل على الأمرين، لا خلاف في التعليل به البتة كالمطعوم فيما سبق.