هذه كلها ستأتي فيما سينص عليه فيما يأتي، لكن مراده هنا: أن توجد العلة بلا حكمٍ مطلقًا دون استثناء أو تفصيل.
فوجود العلة بلا حكمٍ قد يكون لانتفاء شرط، وكذلك يسمى نقضًا، قد توجد العلة بلا حكمٍ لوجود مانع، قد تكون العلة ثبتت بنص قطعي، قد تكون ثابتة بنص ظني، قد تكون باستنباط .. أراد هنا التعميم: بأن توجد العلة بلا حكم، فلا تفصيل هنا في هذا الموضع.
{وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِ النَّقْضِ قَادِحًا فِي الْعِلَّةِ، وَفِي بَقَائِهَا حُجَّةً بَعْدَ النَّقْضِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ} .
سنأخذ ثلاثة منها، أولًا: نحرر محل النزاع فنقول: ليس كل نقضٍ فيه خلاف.
نقول: بعض أنواع النقض هو ليس بنقضٍ باتفاق، وبعضها محل نزاعٍ.
الأول: ما عُلم أنه مستثنى من قاعدة القياس، هذا لا تنتقض العلة به إجماعًا .. لا خلاف فيه.
كإيجاب الدية على العاقلة، مع أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه هو دون غيره. هذا الأصل فيه .. إذا جنى هو الذي جنى، فيترتب عليه الحكم، لكن هنا عُدّي إلى غيره نقول: هذا خارجٌ عن القياس، هل نعتبر ذلك نقضًا؟ نقول: ليس بنقضٍ، وإنما هو علةٌ صحيحة وهو مجمعٌ عليها.
إذًا: ما عُلم أنه مستثنى من قاعدة القياس، لا نقول: وُجدت العلة، فحينئذٍ نجعل هذا نقضًا للحكم الأصلي.
فالعرايا قد يقال -كما هو عند الفقهاء-: أنها وُجد فيها علّة الربا، إذًا: انتفى الحكم وهو التحريم، هل نرجع لأنواع الربا ونقول: لا. مباحة لأنه وُجد في بعض صورها وُجدت العلة ولم يوجد الحكم؟ نقول: لا. هذا يعتبر خارجًا عن القياس على ما ذكره المصنف.
حينئذٍ لا نجعل هذه الصورة وهي وجود العلة بلا حكمٍ، العرايا على كلام الفقهاء أنها خرجت عن سنن القياس وُجدت العلة -علة الربا- متحققة بكمالها في هذا الفرع وانتفى الحكم.
هل نجعل هذا الانتفاء -وهو تحريم العرايا- نقضًا لأصل العلة بأن نقول: ارتفعت علة الربا؟ نقول: لا. هذا محل إجماع.
لماذا؟ قالوا: لأنه خرج عن قاعدة القياس.
فحينئذٍ لا يُعترض به على الأصل. هذا نوع.
النوع الثاني: تخلُّف الحكم عن العلة من أجل معارضتها بعلة أخرى.
قد يتخلف الحكم عن العلة؛ لكونها معارَضة بعلة أخرى، فهذه ليست نقضًا للعلة.
مثاله: تعليلُ رِقِّ الولد بِرِقِّ أمه. الرق .. الولد يرجع باعتبار الرِّق إلى الأم.
فحينئذٍ لو كان الأب حرًا وأم الأولاد رقيقة، الأولاد تبعٌ لمن؟ للأم، هذا الأصل وهذه القاعدة.
قد ينتفي في بعض الأحوال .. في بعض الصور، فنحكم بحرية الولد مع كون أمه رقيقة تبعًا للأب.
مثاله: تعليلُ رِقِّ الولد بِرِقِّ أمه.
"فولد المغرَّر به".. رجل ما حر، قالوا له: هذه الجارية حرة فتزوجها فوُلِد له غُرِّر به .. كذبوا عليه، قالوا: هذه حرة، فاتضح بعد أن وُلد له أنها رقيقة، حينئذٍ ماذا نصنع؟ إن أجرينا القاعدة على الأصل قلنا: أولاده أرِقاء، وإن قلنا بأن علةً أخرى قامت بهذه المسألة وهو التغرير بالرجل الحر وراعيناها، حينئذٍ قدّمنا علّة التغرير على تلك العلة، فنقول: أولاده أحرار ولا يتبع الأصل.
قال: رِقّ الولد برق أمه. هذا أصله، هذا تعليله.