(وَيَكُونُ حُجَّةً فِي غَيْرِ مَا خُصَّ) يعني: إخراج بعض أفراد معلولها كتخصيص العام.
"لا يقدح"يعني: لا يُعتبر دليلًا على فساد العلة.
ثُم: كيف نتعامل مع هذه الصورة التي خرجت، وُجد الحكم فيها؟ قال: هذا كالخاص مع العام، العام يدل على سائر الأفراد والخاص يدل على بعض الأفراد مع كونها داخلة في مفهوم العام.
هل ثَم تعارض؟ لا تعارض، نقول: هذا عامٌ يبقى فيما عدى ما خُصَّ، وهذا خاصٌ يدل على ما خُصَّ.
قال: كذلك القدح أو النقض. فما جاءت به الصور ووُجدت العلة ولم يترتب عليها الحكم نقول: هذا كالخاص، ليست بحجة في هذا الموضع، وهي حجة في المواضع الأخرى.
قال: (مَا خُصَّ) أي: إخراج بعض أفراد معلولها كتخصيص العام، فتبقى حينئذٍ حجة فيما عدا المحل المخصوص، كالعموم إذا خُصَّ.
كأن أصحاب هذا القول يقول لك فيما إذا تخلف الحكم عن العلة فهي ليست بعلة في هذا الموضع، وإذا لم يتخلف فهي علة.
هذا الذي عناه أصحاب هذا القول.
قال: كَالْعَامِّ إذَا خُصَّ بِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَشُهْرَتُهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَكْثَرُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا سَمَحُوا بِتَسْمِيَتِهِ نَقْضًا، وَسَمَّوْهُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
ولذلك ساعدمهم المصنف قال هنا: (وَيُسَمَّى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ) يعني: عند الأحناف.
وهو كذلك أنه يسمى تخصيصًا للعلة.
الْقَوْل الثانِي: أنه يَقْدَحُ مطلقًا.
فيدل على أن العلة فاسدة، متى ما تخلَّف اطراد العلة قال: فالعلة فاسدة، هذا يدل على أنه اشترط اطراد العلة في صحة العلة، كلما وُجدت العلة وجد الحكم، فإن تخلف الحكم مع وجود العلة ولو في موضعٍ واحدٍ دل على أن هذه العلة مُلغاة فاسدة ولا اعتبار بها.
{اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ حَامِدٍ وَقَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا، فَيَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلانِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ} .
القول الثالث: التفصيل وهو الأظهر. التفصيل بين المستنبطة وبين المنصوصة.
{يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ} لأنها مظنونة {إلاَّ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ} فلا يقدح فيها بالنقض، وهو كذلك، لماذا؟ لقيام المانع وهو أن الشيء لا يُحكم بوجوده إلا بتحقُّق شروطه وانتفاء موانعه، فلا نحكم بأن العلة موجودة على وجه الكمال والتمام، إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، وإلا لقلنا: كل من سرق قطعت يده. وليس كذلك؛ لأن السرقة ليست مطلق السرقة وإنما هي بشرطها وانتفاء مانعها. وهو كذلك.
إذًا: {يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، إلاَّ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ} فلا يقدح فيها بالنقض {وَلا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ} لأن النص على صحة العلة أقوى من النقض بتخلف الحكم عنها، فلا يبطل الأقوى بالأضعف.
والمنصوصة بقطعٍ قالوا: لا يمكن القدح فيها بالنقض. وهذا اختاره الشيخ الأمين في المذكرة وقال: هو أظهر.