إذا قيل:"نقضُ"يعني: إبطال أو إسقاط"بعض أوصاف العلة"دل على أن النقض المكسور خاصٌ بالعلل المركبة، وأما العلل البسيطة فلا يتأتى فيها النقض المكسور.
(نَقْضُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ) يعني: نقض العلة بترك بعض الصفات سُمي نقضًا مكسورًا.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ وَالْجَدَلِيِّينَ: إنَّهُ إسْقَاطُ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ} يعني: نقضُ بعض الصفات وأنه بين النقض والكسر.
{وَإِخْرَاجُهُ مِنْ الاعْتِبَارِ بِبَيَانِ أَنَّهُ لا أَثَرَ لَهُ} .
فعُلِم أنه يكون في العلة المركبة من وصفين فأكثر.
إذًا: يأتي إلى جزءٍ من أجزاء العلة فيبين أن هذا الجزء لا أثر له في الحُكم، فهل ذلك يُعتبر نقضًا للعلة من أصلها أو لا؟
قال هنا: {وَلَهُ صُورَتَانِ} :
أن يأتي المستدل ببدل الوصف المسقط عن الاعتبار.
يعني: إذا اعتَرض بالنقض المكسور قال: هذا الجزء لا أثر له في التعليل، حينئذٍ له صورتان: إما أن يأتي ببديلٍ له وإما ألا يأتي ببديل، فإذا أسقط جزءًا من أوصاف العلة المركبة المُعْتَرض أو المستدِل إما أن يُبطل هذا الوصف وهذا الجزء ويأتي ببديل أو لا يأتي ببديلٍ.
قال هنا: {أَنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الْوَصْفَ الْخَاصَّ} الذي هو جزء العلة {الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّهُ لُغَوٌ بِوَصْفٍ أَعَمَّ مِنْهُ} يعني: أعم من الذي أَسقطه ثُمَّ يَنْقُضُهُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ.
كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي إثْبَاتِ صَلاةِ الْخَوْفِ صلاة الخوف لا خلاف فيها، لكن لو أراد أن يستدل بعلل قال: {صَلاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا، كَصَلاةِ الأَمْنِ} .
هنا عندنا علة مركبة: صَلاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، مؤلَّف من جزأين: صَلاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا هذه هي العلة المركبة الآن.
"فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا"هذا الحكم، هذا قياسًا على صلاة الأَمْنِ. أين الأصل؟ صلاة الأمن صَلاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا. قاس عليه صلاةَ الخوف بجامع أن كلًا منهما صلاةٌ يجب قضاؤها.
يقول المعترض .. يأتي إلى وصف"صلاة"وهو جزءٌ من العلة المركبة {فَيَقُولُ: خُصُوصُ كَوْنِهَا صَلاةً هذا مُلْغًى، لا أَثَرَ لَهُ؛ لأَنَّ الْحَجَّ وَالصَّوْمَ كَذَلِكَ} مثله، الصوم يجب قضاؤه، والحج يجب قضاؤه. إذًا: تخصيص الصلاة بعينها هذا لا أثر له.
ثم يأتي بوصفٍ عام يقول: {لَمْ يَبْقَ إلاَّ الْوَصْفُ الْعَامُّ، وَهُوَ كَوْنُهَا عِبَادَةً} عبادةٌ يجب قضاؤها.
إذًا: أسقط الوصف الخاص وجاء بوصفٍ عامٍ يشمل الصلاة وغيرها، لماذا أسقط وصف الصلاة؟ قال: لأنه لا أثر له، لماذا؟ لأن الصوم يجب قضاؤه، والحج يجب قضاؤه إذًا: لا أثر له فلا داعي لذكر وصف الصلاة.
قال: {فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الْوَصْفُ الْعَامُّ، وَهُوَ كَوْنُهَا عِبَادَةً} هذا أعم من كونها صلاة.
قال: {فَيَنْقُضُهُ عَلَيْهِ بِصَوْمِ الْحَائِضِ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلا يَجِبُ أَدَاؤُهَا، بَلْ يَحْرُمُ} صار نقضًا.