لأن الهيئة المجتمعة هي التي جُعلت علة، فإبطال جزءٍ حينئذٍ إما أن يأتي المستدل ببدلٍ عنه أو لا، فإن جاء ببدلٍ وصح أن يكون جزءًا من العلة صح التعليل بالعلة، وإن لم يأت ببدلٍ يصح التعليل به ويكون مركبًا من العلة لم يصح التعليل بهذه العلة؛ لأن العلة هذه ليست مفردة، وإنما نقول مركبة، ما المراد بالمركبة؟
ليس المراد أن كل جزءٍ منها إذا انفرد ترتب عليه الحكم لا، وإنما نقول: القتل العمد العدوان، فهل إذا انفرد القتل فقط ترتب علىه الحكم؟ لا. العمد مطلقًا لا، وشبه العمد هذا نقض.
حينئذٍ نقول: ليس كل جزءٍ إذا انفرد ترتب عليه الحكم، دل ذلك على أن العلة هي الهيئة المجتمعة، فإذا انتقض جزءٌ منها انتقضت العلة. هذا الأصل فيها.
فإما أن يأتي ببدلٍ عن هذا الجزء ويصح التعليل به، وإلا صح أنه كسرٌ وأنه نقضٌ للعلة.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: والقدح به -يعني: بالكسر- مقيدٌ بأن يعجز المستدل على الإتيان ببدلٍ من الوصف الذي أبطله المعترض، فإن ذكر بدلًا يصلح أن يكون علة للحكم أُلغي الكسر واستقام الدليل.
وإبطال الجزء بأن يبيّن المعترض أنه ملغى بوجود الحكم عند انتفائه، والمراد بنقض الباقي عدم تأثيره في الحكم على الصورتين السابقتين.
وقال أيضًا: والحق أن الكسر أنواع. ذكر المصنف أن الكسر هنا (وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) وبيّن النقض المكسور بأنه إسقاط بعض صفات العلة المركبة.
قال رحمه الله تعالى: والحق أن الكسر أنواع، وضابط الكسر المنطبق على جميع جزئياته -جميع الأنواع- أنه إظهار خللٍ في بعض العلة، وهذا معتبر بالشرط السابق: أنه يسقط هذا الجزء ولم يأتي المستدل ببدلٍ يصلح أن يُعلل به، فإن لم يأتي صح الإسقاط.
قال هنا: إظهار خللٍ في بعض العلة، فيصدق بوجود حكمتها بدونها، وبوجودها دون حكمتها، وبإبطال بعض أجزائها مع العجز عن بدلٍ منه صالح.
وهذا مراده الاعتراض على ابن قدامة أنه خصص الكسر ببعض أنواعه وهو ما ذكره المصنف هنا.
يقول: بعض أنواع الكسر ما لا ينبغي أن يُختلف في أنه قادح، وهو الذي ذكرناه سابقًا.
ومنه ما اختُلف فيه والأظهر في بعض صوره عدم القدح. قاله في المذكرة.
إذًا: نقول الكسر قد يكون قادحًا وقد لا يكون قادحًا، فشأنه شأن النقض الذي سبق معنا.
قال هنا: (وَلَا يُبْطِلَانِهَا) يعني: المذهب عند المصنف.
{وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الأَوْصَافِ، وَلَمْ يَنْقُضَاهَا} .
يعني: الكسر والنقض المكسور، نقول: مجموع الأوصاف هذا يُقلَب الدليل وهو أن مجموع الأوصاف المراد به الهيئة المجتمعة وليس المراد الجميع .. بأن كل فردٍ علة مستقلة، فحينئذٍ صار الدليل عكسًا عليهم.
{فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ بِأَنَّهُ لا أَثَرَ لَهُ لِكَوْنِهِ مَبِيعًا، فَإِنْ أَصَرَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفَيْنِ بَطَلَ مَا عَلَّلَ بِهِ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ لا بِالنَّقْضِ} .
وهنا قال: فإن لم يبيّن حينئذٍ بطل تأثير العلة، لكن قال: لعدم تأثيره لا بالنقض؛ لأنه سبق عنده أن النقض لا يُسقط العلة.