{وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَالإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ} .
إذًا:"هو سؤالٌ مليح". هذا المراد هنا.
{وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ شَافِعِيٌّ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي} الأصل فيما لم يره إلا ما استُثني من السلم ونحوه عدم الجواز {بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ. فَلا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك عَبْدًا} .
"بِعْتُك عَبْدًا"هذا أصلٌ.
"بَيْعٌ"هذا وصفٌ،"مَجْهُولُ الصِّفَةِ"هذا وصفٌ آخر .. هذا هو العلة.
{بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ} علّة مركبة من جزأين، {عِنْدَ الْعَاقِدِ} يعني: حال العقد.
{فَلا يَصِحُّ} يعني: لا يصح هذا البيع لوجود هذه العلة.
{كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك عَبْدًا} من غير تعيين، فهو بيع مجهول الصفة، فلا يصح، قِيس عليه الثاني.
{فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْكَسِرُ بِمَا إذَا نَكَحَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا} .
نكح امرأة لم يرها هل يصح النكاح أو لا يصح؟ يصح النكاح.
قال: فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ كَوْنِهَا مَجْهُولَةَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ.
فَهَذَا كَسْرٌ، لأَنَّهُ نَقْضٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، إذْ النِّكَاحُ فِي الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ.
إذًا: نقَض البيع وجاء بالنكاح، ولو أراد وصفًا عامًا ماذا يقول؟ عقدٌ مجهول الصفة.
لو قال: أَسقِط البيع وائت بالنكاح، حينئذٍ نقول: هذا أبدل وصفًا بوصف خاص، وإذا أسقطه فقط -مجهول الصفة- لم يأت بوصف، لكن لم يُرد المثال هنا، وإذا قال: عقدٌ مجهول الصفة حينئذٍ عمم النكاح وغيره.
فَهَذَا كَسْرٌ، لأَنَّهُ نَقْضٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، إذْ النِّكَاحُ فِي الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ. بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَهْلَ بِالْعَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْفَسَادَ، فَوَصْفُ كَوْنِهِ مَبِيعًا مُلْغًى، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّهْنَ وَنَحْوَهُ كَذَلِكَ، وَيَبْقَى عَدَمُ الرُّؤْيَةِ، فَيَنْتَقِضُ بِنِكَاحِ مَنْ لَمْ يَرَهَا.
وَإِنْ نَزَّلْتَهُ عَلَى الصُّورَةِ الأُولَى -وَهِيَ الإِبْدَالُ بِالأَعَمِّ- فَتَقُولُ: عَقدٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ الْعَاقِدُ، فَيَنْتَقِضُ بِالنِّكَاحِ.
قال -بعدما بيّن حقيقة الكسر ونوعيه-: (وَلَا يُبْطِلَانِهَا) .
يعني: {الصَّحِيحُ عِنْدَ} المصنف وهو نسبه إلى {أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَر: أَنَّ الْكَسْرَ وَالنَّقْضَ الْمَكْسُورَ لا يُبْطِلانِهَا أَيْ: الْعِلَّةَ} .
قال في جمع الجوامع: ومنها الكسر قادحٌ على الصحيح؛ لأنه نقض المعنى وهو إسقاط وصفٍ من العلة.
إذًا: قول الأكثر .. الأكثر على ما عليه في الجمع.
قال الأمين رحمه الله تعالى: فالظاهر أن الكسر كالنقض. يعني: ما قيل هناك يقال هنا.
القول بأن الكسر لا يقدح مطلقًا فيه نظر.
فعلى أن النقض قادحٌ فالكسر كذلك، وقال في النقض المكسور: والقدح به مقيّدٌ بأن يعجز المستدل على الإتيان ببدلٍ من الوصف الذي أبطله المعترض.