لو اجتمع فيه الأمران {وَيَبْقَى الْقِصَاصُ، وَيَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالْقِصَاصِ قَبْلَ إسْلامِهِ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ} مع أن الحكم واحد {وَيَبْقَى الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ} .
{وَإِبَاحَةُ الْقَتْلِ بِجِهَةِ الْقِصَاصِ حَقٌّ لِلآدَمِيِّ، وَبِجِهَةِ الرِّدَّةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى} .
إذًا: ما دام أنه مقيَّد دل على أنه مُشخَّص.
وَلا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيُقَدَّمُ الآدَمِيُّ فِي الاسْتِيفَاءِ. وَقَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَعَلَيْهِ نَصَّ الأَئِمَّةُ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ: هَذَا مِثْلُ: خِنْزِيرٌ مَيِّتٌ حَرَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ميتة وكونه خنزيرًا فَأَثْبَتَ تَحْرِيمَيْنِ.
وَحِلُّ الدَّمِ مُتَعَدِّدٌ لأنه ضَاقَ الْمَحَلُّ، وَلِهَذَا يَزُولُ وَاحِدٌ وَيَبْقَى الآخَرُ. وَلَوْ اتَّحَدَ الْحِلُّ بَقِيَ بَعْضُ حِلٍّ، فَلا يُبِيحُ.
وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: وَتَتَدَاخَلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، هُوَ دَلِيلُ تَعَدُّدِهَا، وَإِلاَّ فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لا يُعْقَلُ فِيهِ تَدَاخُلٌ.
يعني: السبب المقتضِي للحدث وهو النوم غيرُ السبب المقتضي للحدث وهو اللمس مثلًا أو الريح، حينئذٍ ما ترتب على هذين الحكمين كأن الحدث متنوع في نفسه، كما أن القتل هنا متشخِّصٌ متنوع كذلك الحدث متنوع، لكن هل ينبني عليه شيءٌ في ذلك؟ الجواب: لا.
إلا أن يقال: أنه يزداد إثمًا فيما إذا اجتمع فيه التحريمان.
وأنه إذا وُجد واستحضر أنه بسبب النوم رفعَ الحدث، وبسبب البول وسبب كذا .. حينئذٍ ازداد أجرًا! قد يقال في مقابل ما ذُكِر.
أما من حيث ارتباطه بالعلة فلا أثر له البتة.
قال هنا: وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: وَتَتَدَاخَلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، هُوَ دَلِيلُ تَعَدُّدِهَا، وَإِلاَّ فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لا يُعْقَلُ فِيهِ تَدَاخُلٌ.
قَالَ: وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَسْأَلَةِ الأَحْدَاثِ: إذَا نَوَى أَحَدَهَا ارْتَفَعَ وَحْدَهُ.
هذه مسألة: إذا نوى الحدث المترتب على النوم، ولم ينو الحدث المترتب على البول، هل يرتفع أو لا؟ بناءً على هذا؛ أن الحدث متشخص، وقد ينوي بعض ما ترتب على سببٍ فلا يرتفع .. إنما الأعمال بالنيات، فلا يرتفع الآخر. هذا مبنيٌ عل هذه المسألة.
والصواب أن الحدث جنس، والقتل جنس. حينئذٍ إذا أمكن إفرادُ أحد النوعين على الآخر كما لو أسلم بعد ردة، حينئذٍ نقول: هذا انفك بالدليل الشرعي وكذلك هو مرتبطٌ بعلته، أما في الحدث فهذا لا يتأتى.
قال: {يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَالأَشْهَرُ لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ: يَرْتَفِعُ الْجَمِيعُ. وَقَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ} .
وهو كذلك، يعني: لو نوى أحدَها فحينئذٍ يرتفع، لكن يبقى الإشكال فيما إذا نوى أنه لم يرتفع أحد الآثار، هنا يبقى هذا فيه شيءٌ من الإشكال؛ لأن الأسباب لا شك أن لها آثار، فإذا نوى أحدَها وغفل عن البقية لا إشكال أنه يرتفع، لكن لو استحضر أنه نوى ما ترتب على النوم دون ما يترتب على البول مثلًا. هذا فيه نظر .. يحتاج إلى تأمل.