{يَعْنِي: أَنَّهُ هَلْ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ: أَنْ لا تَعُودَ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي اسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ بِتَخْصِيصٍ، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟} .
الإبطال ممنوع، يجعل العلة فاسدة، لكن لو رجعَتْ إلى حكم الأصل فخَصَّصَتْه هل كذلك الأمر كما هو الشأن فيما سبق؟ هذا فيه قولان.
قال: {لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ} .
إذًا: العلة المستنبطة من أصلٍ كتابٍ أو سنة، إن عادت إلى الأصل فخَصَّصَتْه، حينئذٍ فيه قولان: هل العلة معتبرة أو لا؟
لم تبطل الأصل وإنما جعَلَتَه خاصًا بنوعٍ دون آخر.
{وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ} هذا عام، نهى عن بيع اللحم بالحيوان .. أطلق النص هنا، مأكول اللحم وغير مأكول اللحم.
استنبط {فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ} فهو عام.
{وَالْعِلَّةُ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى الرِّبَا} لأن المعنى {يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمَأْكُولِ؛ لأَنَّهُ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِأَصْلِهِ. فَمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي النَّهْيِ} .
إذًا: من جهة المعنى قالوا: هذا الحكم خاصٌ بالمأكول؛ لأنه يجري فيه علة الربا.
إذًا: علَّلنا ورجعنا إلى النهي فخصَّصَناه، النهي عام عن بيع اللحم بالحيوان: اللحم .. حيوان، جاء محلىً بأل فيعم كل لحم، سواء كان مأكول اللحم أو لا، وحينئذٍ لما نظروا في كون العلة إنما هي من أجل الربا، والربا إنما يجري في مأكول اللحم عادوا إلى النص فخصصوه، قالوا: هذا النهي المراد به النهي عن مأكول اللحم.
قال هنا: {وَالْعِلَّةُ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى الرِّبَا؛ تقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمَأْكُولِ؛ لأَنَّهُ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِأَصْلِهِ. فَمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ عَادَتْ الْعِلَّةُ عَلَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ} .
وهذا يقال فيه: اجتهادٌ في مقابلة النص. يعني: لا يصح أن يُستنبط من النص علّةٌ تعود على النص بالتخصيص، لكن لو نُصَّ عليها حينئذٍ جاء التخصيص من جهة الشرع، وأما الاستنباط فلا.
فَلِذَلِكَ جَرَى لِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، مَأْخَذُهُمَا ذَلِكَ.
وَلأَصْحَابِنَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَوْلانِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُطْلَقًا.
وهذا تبع فيه المرداوي، هنا أطلق، إن كان فصَّل في الأصل الذي هو الإنصاف.
على كلٍ المذهب أنه: إن كان بيع بالحيوان -مأكول اللحم- من جنسه فلا خلاف في المذهب في عدم صحته. والمراد هنا المثال.
{وَأَمَّا عَوْدُ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِالتَّعْمِيمِ: فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ خِلافٍ} .
قال هنا: (وَفِي قَوْلٍ: وَلَا بِتَخْصِيصٍ) .
يعني: في قولٍ استوى عنده الأمران، ثَم قولان: هل يجوز أن يُستنبط من النص علة تعود إلى أصل الحكم فتخصِّصه أم لا؟
عند المصنف قولان مستويان؛ لأنه قوِي الخلاف ولذلك قال: (وَفِي قَوْلٍ: وَلَا بِتَخْصِيصٍ) والصحيح: أنه لا يستنبط من النص علة تعود على الأصل بالتخصيص؛ لأن اللفظ عامٌ فيبقى على إطلاقه.