وهنا عنى بها علة واحدة لكنها باعتبار النتيجة، ولكنها من حيث ما تركبت منه متعدد الأوصاف، فحينئذٍ لا يستقل واحدٌ منها بالحُكم بخلاف ما سبق، فيترتب على واحد منها الحكم، هنا لا، فلو وُجد القتل فقط دون العمد نقول: لم تتم العلة.
قال هنا: {وَقِيلَ: لا} والاعتراض هذا ليس في محله.
{لأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُرَكَّبِ يُؤَدِّي إلَى مُحَالٍ} .
لا. هو واقعٌ، دل الدليل على ذلك في مسألة القتل.
قال: (وَمَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ أَوْ أَقَرَّهُ لا يُعَلَّلُ بِمُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا) يعني: بزوالها.
وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قال: (وَمَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا) دون أن يخصه بعين معينة .. أطلق الحكم الشرعي.
أَوْ حكم الشارع به (فِي عَيْنٍ) حادثة معينة كاللعان والظهار ونحوه.
(أَوْ فَعَلَهُ) {الشَّارِعُ} النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(أَوْ أَقَرَّهُ) {أَيْ أَقَرَّ الشَّارِعُ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ} .
(لاَ يُعَلَّلُ بِمُخْتَصَّةٍ) يعني: لا نستنبط علة بمختصة يعني: بحادثة مختصة في ذلك الزمن، فلا نقول: هذا لأجل واقعة عين حصلت في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا تتعدى العلة لغيرها.
(لاَ يُعَلَّلُ) {أَيْ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا بِزَوَالِهَا} .
هذا غير مستقيم، هذا يؤدي إلى بتر القياس؛ لأن النصوص الواقعة على أحوالٍ بأعيانها، هذه كثيرة وليست بقليلة.
قال: (وَقَدْ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَيَبْقَى الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ) .
يعني: في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَم أحكامٌ شرعت لعلل، ثُم زالت تلك العلل فبقي الحكم مُشرَّعًا، حينئذٍ هذه معدودة وتبقى على أصلها يعني: خارجة عن القياس إن صح التعبير.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا -وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ- مَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ أَقَرَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْوَقْتِ} زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا؟ جَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ.
ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ، وَذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي حُكْمِهِ بِتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، وَالضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ وَهُوَ شُبْهَتُهُمْ أَنَّ حُكْمَ الْمُؤَلَّفَةِ انْقَطَعَ.
وَمَنَعَهُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ.
على كلٍ الصواب: أنه لا يُعلِّل بعلة مختصة بل هو عامٌ؛ لأن الأصل فيما قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو فعله أو أقره جميعُ المكلفين، هذا الأصل. الأصل عموم الخطاب لا خصوص الخطاب.
حينئذٍ يُحمل على العموم.