{كَالإِجْمَاعِ حَادِثٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ، وَالاِخْتِلافُ يَتَضَمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِهِ، وَعَكْسُهُ الاتِّفَاقُ} يدل على ثقل في الحكم {كَقَوْلِنَا} هذا الشاهد {فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ: مُتَوَلِّدٌ مِنْ أَصْلَيْنِ يُزَكَّى أَحَدُهُمَا إجْمَاعًا} وهو الغنم {فَوَجَبَ فِيهِ} يعني: في المتولد بين الظباء والغنم.
{كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ} وجبت فيه الزكاة تغليبًا على السائمة على المعلوفة .. من باب التغليب.
{وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْكَلْبِ: مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّ لَحْمِهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِي وُلُوغِهِ عَدَدٌ كَالسَّبُعِ} .
السبع لا يجب فيه العدد، التعديد إنما هو في الكلب خاصة، ومن قاس عليه الخنزير هذا قياسٌ مع الفارق يعني: لا يثبت.
{وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِحُدُوثِهَا بَعْدَ الأَحْكَامِ} يعني: الاتفاق والاختلاف هذا حادثٌ بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والعلة وصفٌ شرعي، فحينئذٍ يحتاج إلى نصب الشارع، والاختلاف والاتفاق لا يصلح أن يكون علة وهو كذلك.
إذًا: لا يصح التعليل بالاتفاق والاختلاف؛ لكونهما حادثين بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وما كان من علة -كما سيأتي في مسالك العلة- يجب أن يكون موجودًا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه إما حكمٌ شرعي فلا بد أن يكون قبل وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإما أن يكون وصفًا معتبرًا في الدليل الشرع إما منصوصًا أو مجمعًا عليه، أو مستنبطًا من الدليل، والدليل قد وُجد قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فالاتفاق والاختلاف لا عبرة به البتة.
لكن يذكرونه في مقام الجدل، ومقام البحث والمناظرة هذا لا إشكال فيه.
قال: (وَيَتَعَدَّدُ الْوَصْفُ وَيَقَعُ) .
تنقسم العلة باعتبار كميتها إلى الوصف الواحد، ولا خلاف في التعليل به. يعني: كالإسكار، وإلى المركبة من أوصافٍ والتعليل به جائزٌ عند المعظم.
قال هناك: والعلل مستقلة يعني: كل واحدٍ مستقلٌ عن الآخر، وهنا لا، جُعِل جزء علة.
قال: (وَيَتَعَدَّدُ الْوَصْفُ وَيَقَعُ) يعني: وهو واقعٌ.
لأن بعضهم جوّزه عقلًا لكن قال: غير واقع في الشرع. والصواب: أنه جائزٌ ويقع.
{يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ، وَيُسَمَّى الْوَصْفَ الْمُرَكَّبَ؛ لأَنَّ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُفْرَدَةِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ، فَهُمَا سَوَاءٌ} .
كما قلنا: يجوز التعدد هناك في نقض الطهارة بالبول والغائط ونحوه، كذلك هنا فيما إذا كانت العلة غير مستقلة.
{وَذَلِكَ كَمَا نَقُولُ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ: قَتْلٌ مَحْضٌ عُدْوَانٌ} .
وهذه أوصافٌ مناسبة، فلا يبعُد أن تكون الهيئة الاجتماعية ينشأ عنها الحكم. وهو كذلك، يعني: إثبات هذا الوصف واقعٌ ولا إشكال فيه.
حينئذٍ يكون الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة: أن العلل المستقلة عنى بها المنفكة يعني: كالبول .. عن الغائط .. عن النوم .. إلى آخره.