فهرس الكتاب

الصفحة 1605 من 1890

يعني: يجوز أن تثبت الأحكام جميعها بالنصوص قطعًا؛ إذ لا يلزم منه محال، وهو واقعٌ (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ) [الأنعام:38] .

{وَقِيلَ: لا يَجُوزُ} هذا لا يجوِّزه العقل؛ لأنه ممتنع، وامتناعه مدركٌ بالحس، وعندهم القاعدة الكبرى هذه: {لأَنَّ الْحَوَادِثَ لا تَتَنَاهَى فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا نُصُوصٌ مُتَنَاهِيَةٌ؟!} .

نصوص الوحيين قالوا: معدودة، السنة معدودة والكتاب معدود.

إذًا: دلالاتهما محصورة، تدبُّرهما محصور. والوقائع هذه لا تنتهي، يولد زيد وإلى آخره وعمرو ويذهب ويأتي ويموت ويحيى، والأزمان تختلف والأشخاص، والبلدان .. إذًا: الحوادث لا منتهى لها، فنحتاج إلى ماذا؟ قالوا: والنصوص لا تفي بالحوادث، فاحتجنا إلى القياس، وهذه القاعدة باطلة من أصلها، لماذا؟ لأننا على ما قلنا سابقًا: أن الأصل في كل حادثة أنها داخلةٌ في نصٍ. علمه من علمه وجهله من جهله.

من اجتهد واستنبط الحكم بالقياس لا يستلزم ذلك ألا يكون الشرع قد دل عليها لفظًا بالمنطوق أو بالمفهوم، وإنما يعمل بما في وسعه.

والاستنباط هذا الطريق الذي هو نوعٌ من الاجتهاد وهو القياس استنباطٌ صحيح ولا إشكال فيه.

فحينئذٍ يكون بترتيبه الترتيب الصحيح قد وصل إلى حكمٍ صحيح، لا بد أنه يكون موافقًا لما دل عليه اللفظ إما بالمنطوق أو بالمفهوم أو بدلالة الالتزام.

حينئذٍ هو في حقه صار القياس حجةً ولا إشكال، ومن لم يثبت القياس ورجع إلى الأصل فاستنبط الحكم منه سواء كان بأصلٍ أو بنصٍ، فحينئذٍ نقول: المؤدَّى واحد والنتيجة واحدة، وهو أنه رجع في الأصل إلى حكم الحادثة إلى الكتاب والسنة، ومن قاس كذلك رجع إلى الكتاب والسنة لكن بطريق فيه شيءٌ من البُعد وقد جاز له.

إذًا قال هنا: {وَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّ الْحَوَادِثَ لا تَتَنَاهَى فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا نُصُوصٌ مُتَنَاهِيَةٌ؟!} وهذا ضعيف.

ولذلك قال: {رُدَّ: بِأَنَّهَا تَتَنَاهَى لِتَنَاهِي التَّكْلِيفِ بِالْقِيَامَةِ} وهذا غريب.

{ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَحْدُثَ نُصُوصٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ} هذا باطل أبطل من سابقه؛ لأن التناهي ليس المراد هنا أنها تنتهي بانتهاء الدنيا. ليس هذا التناهي.

وإنما هل تفي النصوص بأحكام الحوادث أم لا؟ الحوادث كثيرة وجاءت هذه النصوص محصورة، فحينئذٍ لا يحصل بينهما تطابق، بمعنى أن النصوص دلت على حوادث، وهذه الحوادث محصورة، وأما الحوادث الواقعة المدركة بالحس في الوجود، هذه لا منتهى لها.

إذًا: لا يحصل التوافق بين الطرفين. هذا مرادهم بالتناهي هنا، وهو باطل من أصله.

قال: (لاَ بِالْقِيَاسِ) .

يعني: {لا يَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الأَحْكَامِ بِالْقِيَاسِ} يجوز أن تثبت كل الأحكام بالنص. هذا عقلًا، وهل يجوز أن تثبت كل الأحكام بالقياس؟ قال: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت