إن سلَّمنا بأصل المسألة -وهي فاسدة-: لا يجري فيه لا قياس الدلالة ولا قياس العلة؛ لأن القياس حكمٌ شرعي فكيف يجري ما ليس بشرعٍ؟ وإنما هو تجويز عقلي وهو باطلٌ من أصله.
قال: {وَالضَّرْبُ الثَّانِي: نَفْيٌ طَارِئٌ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ} يعني: بعد الشرع {كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الدَّيْنِ، وَنَحْوِهِ هذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَجْرِي فِيهِ هُوَ أَيْ: قِيَاسُ الدَّلالَةِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ} .
يعني: قياس الدلالة كما يكون في الإثبات يكون في النفي، وقياس العلة كما يكون في الإثبات يكون في النفي.
بناءً على ما تقرَّر أن الحكم تارة يكون بالإثبات وتارة يكون بالنفي، كما أن النص يدل على حكمٍ شرعيٍّ تارة بالإثبات وتارة بالنفي، كذلك القياس يدل على حكمٍ شرعيٍّ ليس دائمًا يكون إثباتًا وإنما قد يكون نفيًا. ومر معنا أن قياس العكس يعتبر حجة.
إذًا: (وَطَارِئٌ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ يَجْرِي فِيهِ هُوَ) أي: قياس الدلالة وقياس العلة.
لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ. فَهُوَ كَسَائِرِ الأَحْكَامِ الْوُجُودِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ: وَيُسْتَعْمَلُ الْقِيَاسُ عَلَى وَجْهِ التَّلازُمِ، فَيُجْعَلُ حُكْمُ الأَصْلِ فِي الثُّبُوتِ مَلْزُومًا. وَفِي النَّفْيِ نَقِيضَهُ لازِمًا المراد هنا أنه يجري في الإثبات والنفي.
{نَحْوُ: لَمَّا وَجَبَتْ زَكَاةُ مَالِ الْبَالِغِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِ الصَّبِيِّ: وَجَبَتْ فِيهِ} لما وجبت وجبَ، هذا إثبات.
{وَلَوْ وَجَبَتْ فِي حُلِيٍّ وَجَبَتْ فِي جَوْهَرٍ قِيَاسًا، وَاللاَّزِمُ مُنْتَفٍ، فَيَنْتَفِي مَلْزُومُهُ} .
فحينئذٍ صار بالإثبات والنفي.
ثم قال: (فصلٌ الْقَوَادِحُ تَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) .
هذه يأتي بحثه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!