ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ، وَالنَّظَرُ فِي الأَعَمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الأَخَصِّ.
قال: {لأَنَّهُ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ} يعني: فيما يدخل فيه، في الفرع والجامع والأصل.
{ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيُقَدَّمُ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ؛ لأَنَّ النَّقْضَ يُورَدُ لإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ تُورَدُ لاسْتِقْلالِهَا، وَالْعِلَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اسْتِقْلالِهَا} .
قال:"لا غيرِ مرتبةٍ"يعني: {لا يُمْنَعُ تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ} .
أما الترتيب على ما ذكروه هذا يُعتبر .. ؛ لأنه أراد الترتيب الطبعي لها والوضعي، حينئذٍ لا يأتي الثاني إلا إذا سلَّم بالأول أو رجَع عنه.
أما إذا كانت غير مرتبة وهذا مقبولٌ عندهم.
لا يُمْنَعُ تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ.
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَتَرْتِيبُ الأَسْئِلَةِ -وَهُوَ جَعْلُ كُلِّ سُؤَالٍ فِي رُتْبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لا يُفْضِي بِالتَّعَرُّضِ إلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ- أَوْلَى اتِّفَاقًا؛ لأَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَبِيحٌ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَكُونَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَوْلَى.
فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ نَفْيًا لِلْقُبْحِ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ الْقُبْحِ وَاجِبٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَجَوَابُهُ مُرْتَبِطٌ بِهِ. فَلا فَرْقَ إذًَا بَيَّنَ تَقَدُّمِهُ وَتَأَخُّرِهُ.
(وَ) {حَيْثُ جَازَ التَّعَدُّدُ فَإِنَّهُ} (يَكْفِي جَوَابُ آخِرِهَا) .
يعني: إذا جاز أن يتعدد فحينئذٍ له أن يترك جواب الأول والثاني والثالث، ويجيب على الأخير.
{قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْمُنَى وَجُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ: إنَّهُ لا يُطَالِبُهُ بِطَرْدِ دَلِيلٍ إلاَّ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ دَلالَتِهِ فَلا يَنْقُضُهُ مَنْ سَلَّمَهُ فَلا يُقْبَلُ الْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ} .
إذًا: قوله: (وَ) {حَيْثُ جَازَ التَّعَدُّدُ فَإِنَّهُ} (يَكْفِي جَوَابُ آخِرِهَا) يعني: الجواب من المستدل.
انتهى المصنف رحمه الله تعالى مما يتعلق بالقوادح، القوادح هذا علمٌ مستقل، ولذلك يُدرَس استقلالًا، ولذلك أجريناه على ظاهره.
ثم ذكر فصلًا يتعلق بالجدل، وأيضًا كذلك هذا علمٌ مستقل والقوادح تُدرَس فيه.
وأراد أن يبيِّن بعض ما يتعلق بالجدل، وبحثُه واضح لا يحتاج إلى نظر، ولولا إرادة الشمول للكتاب لقلنا هذا محذوف كسابقه، لكن نريد أن نمُر عليه.
قال: (فصلٌ الْجَدَلُ) يعني: هذا الفصل عقده فيما يشتمل على أحكام الجدل، وآدابه، وحدِّه، وصفتِه.