قال: {ثُمَّ إنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ هِيَ اسْمٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَمَامَهُ, وَلِمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَسَائِلُهُ كَمَعْرِفَةِ حُدُودِهِ وَغَايَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ, فَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ لِطَائِفَةٍ مِنْ كَلاَمِهِ تُقَدَّمُ أَمَامَ الْمَقْصُودِ, لاِرْتِبَاطٍ لَهُ بِهَا - اِرْتِبَاطٍ لَهُ} يعني: الكتاب. {بِهَا} : بهذه المقدمة- {وَانْتِفَاعٍ بِهَا فِيهِ} بها أي: بالمقدمة فيه، أي في هذا الكتاب، كما مر معنا أنه اختصر التحرير، وأنه قدم ما قدمه صاحب التحرير وهو المذهب، أو ما عليه الأكثر، ثم قال: فإن قلت في وجه فالمراد كذا، أو على قول أو في قول على ثلاثة أحوال .. إلى آخره، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مقدمة كتاب بحيث لو نظر الناظر في الكتاب دون أن ينظر في هذه المقدمة لفسد عنده تصور المسائل التي تعلقت بهذه المقدمة، سواء توقف عليها العلم أو لا.
{وَلَمَّا كَانَ كُلُّ عِلْمٍ لاَ يَتَمَيَّزُ فِي نَفْسِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْعُلُومِ إلاَ بِتَمَيُّزِ مَوْضُوعِهِ} لأن المصنف هنا قال: ... مقدمة، (مُقَدِّمَةٌ) والأصل عرفنا أنه يذكر الحد وتوابعه، لكنه بدأ بالموضوع من حيث هو موضوع، ولذلك قال: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كل علم يعني: سواء كان شرعيًا أو عقليًا، وإذا كان الأمر كذلك ونحن نبحث في علم أصول الفقه، الأصل فيه أن يذكر ما يتعلق بموضوع أصول الفقه، لكنه ذكر الموضوع من حيث هو، يعني ما يتعلق بكل علم.
قال الشارح هو: {وَلَمَّا كَانَ كُلُّ عِلْمٍ لاَ يَتَمَيَّزُ فِي نَفْسِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْعُلُومِ إلاَ بِتَمَيُّزِ مَوْضُوعِهِ} يعني: كل علم يتميز عن غيره، ثَمَّ اشتراك بين العلوم كلها، العلوم الشرعية والعلوم العقلية .. ثَمَّ اشتراك بينها في قدرٍ وجنسٍ، فحينئذٍ الذي يميز هذا عن ذاك هو الحد والرسم، فكل علم يتميز عن غيره من العلوم بموضوعه كما يتميز برسمه، يعني وحده، فالعلم لا يتميز عند العقل إلا بعد العلم بموضوعه، فحينئذٍ فهم تعريف أصول الفقه مبني على فهم موضوع أصول الفقه، فمن لم يفهم موضوع أصول الفقه لن يفهم حقيقة أصول الفقه، ولذلك قدمه المصنف كغيره من أهل العلم.
{ولما كَانَ مَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ أَخَصَّ مِنْ مُطْلَقِ الْمَوْضُوعِ وَكَانَ الْعِلْمُ بِالْخَاصِّ مَسْبُوقًا بِالْعِلْمِ الْعَامِّ} يعني لا بد أن نعرف: ما المراد بالموضوع .. ماذا يعنى بهذا اللفظ؟ ثم بعد ذلك نقول: موضوع أصول الفقه، لو قلنا موضوع أصول الفقه كذا، موضوع النحو كذا؛ لالتبس علينا، ما المراد بالموضوع؟ حينئذٍ لا بد أن نعرف أولًا: ما هي حقيقة الموضوع؟ وحينئذٍ نتعرف بذلك بإضافته إلى أصول الفقه فنقول: موضوع أصول الفقه هو: كذا وكذا.