إذًا: أيهما أعم وأيهما أخص: مطلق الموضوع أو موضوع أصول الفقه؟ مطلق الموضوع أعم، وموضوع أصول الفقه أخص، والعلم بالعام مسبوق عن العلم بالخاص، ولذلك قال: {وَكَانَ الْعِلْمُ بِالْخَاصِّ مَسْبُوقًا بِالْعِلْمِ الْعَامِّ: بَدَأَ بِتَعْرِيفِ مُطْلَقِ الْمَوْضُوعِ بِقَوْلِهِ} : (مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يُبْحَثُ فِيهِ) موضوع هذا مبتدأ، وقوله: (مَا يُبْحَثُ فِيهِ) ما: هذه موصولة، بمعنى الذي خبر المبتدأ، إذًا: مبتدأ وخبر.
(مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ) موضوع مضاف، و (كُلِّ عِلْمٍ) .. (مَوْضُوعُ) هذا اسم مفعول من وُضع الشيء يُوضع فهو موضوع أي: محطوط كما في القاموس، فحينئذٍ (مَوْضُوعُ) يعني الذي وضع عليه الشيء، كهذه الطاولة بالنسبة لهذا الماء، وحينئذٍ نقول: هذا الماء وُضع على هذه الطاولة، وحينئذٍ نقول: هذا محطوط عليه، فالموضوع الذي يتعلق به العلم من حيث هو: هو المحطوط عليه.
(مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ) أطلق المصنف وأتى بكلية، (كل) هذه لفظ عام، فشمل كل علم سواء كان علمًا شرعيًا أو كان علمًا عقليًا.
(مَا يُبْحَثُ فِيهِ) (ما) قلنا: هذه خبر، أي: الشيء الذي، وإذا كانت خبرًا، حينئذٍ نجعلها إما: موصولة ونفسرها بالذي، فتكون صفة لموصوف محذوف أي: الشيء الذي، أو نجعلها نكرة موصوفة، يعني: شيء يُبحث فيه، يكون ما بعده صفة له. هذا أو ذاك لا إشكال فيه، يعني: يجوز تفسيرها بموصولية أو بنكرة موصوفة، (ما) {أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي} فيه الضمير يعود إلى المضاف إليه وهو: (كُلِّ عِلْمٍ) {أَيْ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ} (عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ) عَنْ عَوَارِضِهِ الضمير يعود إلى (مَوْضُوعُ) يعني: عن عوارض الموضوع، ثم عوارض الموضوع نوعان: ذاتية وعرضية، فالذي يتعلق بالبحث في الموضوع .. موضوع كل فن هو ما يتعلق بالعوارض الذاتية، ولذلك قال: (عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ) {أَيْ الأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِلذَّاتِ, دُونَ الْعَوَارِضِ اللاَحِقَةِ لأمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الذَّاتِ} ولذلك يُمثلون من باب التقريب .. يقولون مثلًا: موضوع فن أو علم الطب هو الإنسان، الإنسان هو الذي يبحث عنه الطبيب، والعلم يبحث في هذه الجزئية، فالإنسان هو الموضوع، يبحث عنه من أي جهة؟ من حيث طوله وعرضه، أو أنه سمين أو أنه نحيف؟ نقول: لا، وإنما يبحث عنه من حيث ما يعرض له، ثَمَّ صفات تلحقه، إما مرض وإما صحة، وحينئذٍ نقول: الموضوع هو الإنسان، والبحث الذي يدور حول الإنسان ويتعلق بالطبيب لا في طوله وعرضه، وإنما في كونه مريضًا أو صحيحًا، فعلم كل موضوع ما يُبحث عنه عن عوارضه الذاتية، مسائل ذلك العلم: المرض والصحة مثلًا في الطب.
{وَمَسَائِلُ كُلِّ عِلْمٍ: مَعْرِفَةُ الأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِذَاتِ مَوْضُوعِ ذَلِكَ الْعِلْمِ} قال الشارح: {فَمَوْضُوعُ عِلْمِ الطِّبِّ مَثَلًا: هُوَ بَدَنُ الإنْسَانِ, لأنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الأَمْرَاضِ اللاَحِقَةِ لَهُ, وَمَسَائِلُهُ: هِيَ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الأَمْرَاضِ} ما هي الأسباب وما هي الأمراض.