{وَمَوْضُوعُ عِلْمِ النَّحْوِ} ما هو؟ الكلمات العربية، من حيث ماذا؟ وزنها، وكون الحروف أصلية أو زائدة؟ لا، وإنما من حيث الإعراب والبناء، إذًا: الإعراب والبناء وصفان عارضان لذات الكلمة، والكلمة هي الموضوع، والبحث يكون في الكلمة من حيث البناء والإعراب لا من جهة أخرى.
{وَمَسَائِلُهُ: هِيَ مَعْرِفَةُ الإعْرَابِ وَالْبِنَاءِ, وَمَوْضُوعُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ: التَّرِكَاتُ} -على قولٍ- {فَإِنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ قِسْمَتُهَا, وَمَسَائِلُهُ: هِيَ مَعْرِفَةُ حُكْمِ قِسْمَتِهَا, وَالْعِلْمُ بِمَوْضُوعِ عِلْمٍ لَيْسَ داخلًا فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ} وهذا الذي يتقرر في هذا المقام، حينئذٍ يرد السؤال: ما هو موضوع علم أصول الفقه؟ قال: (فَمَوْضُوعُ ذَا الْأَدِلَّةُ الْمُوَصِلَةُ إلَى الْفِقْهِ) فالأدلة كبدن الإنسان، كما أن الطبيب أو علم الطب يبحث في بدن الإنسان من حيث ما يعترضه من عوارض؛ كذلك الأصولي يبحث في الأدلة، من حيث ماذا؟ من حيث ما يعترضها من أوصاف .. من كونها أمرًا أو نهيًا، عامة أو خاصة، مطلقة أم مقيدة، منسوخة أم لا، فهذه أوصاف وأعراض تعتري ماذا؟ تعتري الأدلة، والمراد بالأدلة هنا: الكتاب والسنة والإجماع والقياس المتفق عليها .. الأربعة، وما زيد مما اختلف فيه، فحينئذٍ نقول: هذه الأدلة هي موضوع فن أو علم أصول الفقه، لكن ينبغي أن يُعلم من أجل أن يُحقَّق القول في حد أصول الفقه أن الموضوع ليس داخلًا في حقيقة العلم، ينبني عليه أنه لا يصح أن تؤخذ الأدلة جنسًا في حد أصول الفقه، فلا يقال: أصول الفقه هو الأدلة، أو أدلة الفقه الإجمالية، هذا غلط، لماذا؟ لأن الموضوع غير العلم، والعلم غير الموضوع، وإذا كان الأمر كذلك فالعلم هو المسائل المتعلقة بالموضوع، والموضوع شيء مغاير للمسائل، فلا تكون المسائل هي عين الموضوع، ولذلك من الغلط -كما سيأتي- أن تؤخذ الأدلة الإجمالية جنسًا في حد أصول الفقه.
{وَالْعِلْمُ بِمَوْضُوعِ عِلْمٍ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ كَمَا قُلْنَا فِي بَدَنِ الإِنْسَانِ وَالْكَلِمَاتِ وَالتَّرِكَاتِ} .
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَمَوْضُوعُ ذَا الْأَدِلَّةُ الْمُوَصِلَةُ إلَى الْفِقْهِ) .
(فَمَوْضُوعُ) (فَـ) هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة، يعني: إذا علمت أن الموضوع من حيث هو دون تعلق بأصول الفقه ما يُبحث فيه عن العوارض الذاتية، فيرد السؤال: ما موضوع هذا الفن؟ قال: (فَمَوْضُوعُ) صارت الفاء هنا واقعة في جواب شرط مقدر، والجملة حينئذٍ تكون في محل جزم لذلك المقدر. فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: إذا علمت أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فموضوع أصول الفقه كذا، ويحتمل أن الفاء هنا للتفريع، والأول أولى.
(فَمَوْضُوعُ ذَا) موضوع مضاف، وذا: مضاف إليه، وهو اسم إشارة، والمشار إليه هنا هو أصول الفقه. و (الْأَدِلَّةُ) : هذا خبر (مَوْضُوعُ) الأدلة: جمع دليل، ويأتي بحثه إن شاء الله تعالى.