{فَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَدَلُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ} ليس له قصد إلا أن يغلب فقط، أن ينتصر {وَالْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ وَوَجْهِ الْمِرَاءِ (وَهُوَ) أَيْ الْمِرَاءُ} (اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادَلِ: فَمُزِيلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَإِلَيْهِ انْصَرَفَ النَّهْيُ عَنْ قِيلَ وَقَالَ) الذي جاء في الحديث (وَفِيهِ) {أَيْ فِي الْمِرَاءِ} (غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ، وَفِي الْمُجَالَسَةِ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُهُ) أَيْ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ.
قَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلا يُضْرَبُ لَهَا الأَمْثَالُ، وَلا يُتَّبَعُ فِيهَا الأَهْوَاءُ، بَلْ هُوَ التَّصْدِيقُ بِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلا كَيْفَ وَلا شَرْحٍ.
"بلا كيفٍ"يعني: للحقائق لا يتكلم فيها.
"ولا شرحٍ"يعني: ولا تفسيرٍ يخالف ظاهرها،"ولا شرحٍ"يعني: لا تُشرح الألفاظ بشيءٍ يخالف ظاهرها سواءٌ كان في باب المعتقد أو في باب الفروع، وفي باب الفروع إذا دل دليل لا إشكال فيه.
{وَلا يُقَالُ: لِمَ؟ وَلا كَيْفَ؟ فَالْكَلامُ وَالْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ مُحْدَثٌ، يَقْدَحُ الشَّكَّ فِي الْقَلْبِ، وَإِنْ أَصَابَ صَاحِبُهُ السُّنَّةَ وَالْحَقَّ -إلَى أَنْ قَالَ- وَإِذَا سَأَلَك رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مُسْتَرْشِدٌ} يعني: طالبًا للحق {فَكَلِّمْهُ وَأَرْشِدْهُ، وَإِنْ جَاءَك يُنَاظِرُك فَاحْذَرْهُ؛ فَإِنَّ فِي الْمُنَاظَرَةِ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ وَالْمُغَالَبَةَ وَالْخُصُومَةَ وَالْغَضَبَ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ جَمِيعِ هَذَا، وَهُوَ يُزِيلُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَائِنَا وَعُلَمَائِنَا أَنَّهُ جَادَلَ أَوْ نَاظَرَ أَوْ خَاصَمَ} .
يعني بغير حق، وإلا فعَله الصحابة وفعله السلف. ليس على إطلاقه.
{وَقَالَ أَيْضًا: الْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ} هذا يؤيد أنه أراد التخصيص.
{وَالْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاظَرَةِ غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ} .
لما أورد ما مر، طيب! أنت الآن علَّمتنا القوادح، وهذه فيها انتصارٌ للمذاهب، وفيها كذلك قد تورث المغالبة وحب الخصومة والمراء والجدال بغير نفعٍ وتُغلق باب الفائدة .. قال: لا، نعتذر عما حصل من أرباب المذاهب.
(وَمَا يَقَعُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ: أَوْفَقُ مَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ فِيهِ: بِأَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الْإِعَادَةِ وَالدَّرْسِ) .
هذا ليس على إطلاقه، قد يقع في بعض الأحوال .. في بعض الأحوال قد يكون المتباحثان والمتجادلان من أصحاب المذاهب أرادوا الدرس والإعادة -يعني: الفائدة- وأحيانًا لا، ولذلك قد تصل بهم الخصومة إلى المقاطعة ونحو ذلك.
ولذلك لماذا قيل: هل يتزوج شافعيٌ بحنفية؟ لماذا قيل هذه المسائل؟
كلها من باب ما أورثته من الضغينة.