يعني: ردَّه إلى مسألة أخرى ولم يأت بدليل ولا وجه الاستدلال، ولا شك أن الجواب هنا البناء، بناه على الحكم بالنكول هذه مسألة أخرى، وكذلك بناه على لزوم إتمامه هذه مسألة أخرى.
قال: (وَإِنْ طَالَبَهُ السَّائِلُ بِدَلِيلٍ عَلَى مَا سَأَلَهُ فَانْقِطَاعٌ مِنْهُ) {أَيْ: مِنْ السَّائِلِ} (لِبِنَاءِ بَعْضِ الْأُصُولِ عَلَى بَعْضٍ) .
بعض الأصول على بعض في الأصل أنه لا يسمى دليلًا، لكن هذا يُستثنى لأنه أصلٌ يتفرع عنه أصلٌ آخر.
قال: (وَلَيْسَ لِكُلِّهَا دَلِيلٌ يَخُصُّهُ) .
أي: (وَلَيْسَ لِكُلِّهَا) {أَيْ كُلِّ الأُصُولِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ} .
وحينئذٍ بناه على الحكم بالنكول قد يكون عند المجيب ليس له دليلٌ خاص، حينئذٍ يغتفر ذلك، أو بناه على لزوم إتمامه إن سُلِّم بأنه ليس له دليلٌ خاص.
ثم قال: {وَيَنْقَطِعُ الْمَسْئُولُ بِعَجْزِهِ عَنْ الْجَوَابِ، وَعَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ، وَعَنْ تَقْوِيَةِ وَجْهِهِ أَيْ وَجْهِ الدَّلِيلِ} على وجه الاستنباط {وَعَنْ دَفْعِ الاعْتِرَاضِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ} ينقطع المسئول.
(وَكِلَاهُمَا) {أَيْ: وَيَنْقَطِعُ كُلٌّ مِنْ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ (بِجَحْدِ) أَيْ: إنْكَارِ} (مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ) يجحد مذهبه (أَوْ ثَبَتَ بِنَصٍّ) يعني: يجحد ما ثبت بنصٍ {وَالْحَالُ أَنْ لَيْسَ مَذْهَبُهُ خِلافَهُ أَوْ ثَبَتَ بِإِجْمَاعٍ} .
فإذا أنكر أو جحد شيئًا من ذلك صار انقطاعًا سواء كان سائلًا أو مسئولًا.
قال: {وَيَنْقَطِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْضًا} (بِعَجْزِهِ عَنْ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ وَخَلْطِ كَلَامِهِ عَلَى وَجْهٍ لا يُفْهَمُ، وَسُكُوتِهِ) {حَالَ كَوْنِ سُكُوتِهِ} (حِيرَةً بِلَا عُذْرٍ، وَتَشَاغُلِهِ بِمَا لا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ) {أَيْ: بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا هُمْ فِيهِ} (وَغَضَبِهِ أَوْ قِيَامِهِ عَنْ مَكَانِهِ) {الأَوَّلِ} (وَسَفَهِهِ عَلَى خَصْمِهِ) {ذَكَرَ ذَلِكَ الأَصْحَابُ} .
هذا كله يسمى انقطاعًا لأنه خروجٌ عن المقصود.
قَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَكُونُ مَرَاتِبُهَا خَمْسَةً.
فَيَكُونُ مَعَ الْمُجَادِلِ قُوَّةٌ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ.
يعني: قد يقول الحُكم حرامٌ لقوله تعالى كذا، ما وجهُ الاستدلال؟ يفتح فاه، حينئذٍ نقول: هذا انقطع؛ لأن عنده قوة على أن يقول حرام، وعنده قوة على إيراد الدليل، لكن ما عنده قوة على وجه الاستنباط.
قال: فَيَكُونُ مَعَ الْمُجَادِلِ قُوَّةٌ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلا تَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَرَاتِبِ، وَانْقِطَاعُ الْقُوَّةِ عَنْ الثَّالِثَةِ عَجْزٌ عَنْ الثَّانِيَةِ. فَلِذَلِكَ قُلْنَا: الانْقِطَاعُ فِي الْجَدَلِ عَجْزٌ مِنْهُ، وَكُلُّ انْقِطَاعٍ فِي الْجَدَلِ عَجْزٌ عَنْهُ. وَلَيْسَ كُلُّ عَجْزٍ عَنْهُ انْقِطَاعًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ جِدًّا.