ثُمَّ ذَكَرَ الانْقِطَاعَ بِالْمُكَابَرَةِ، ثُمَّ بِالْمُنَاقَضَةِ، ثُمَّ بِالانْتِقَالِ، ثُمَّ بِالْمُشَاغَبَةِ، ثُمَّ بِالاسْتِفْسَارِ، ثُمَّ بِالرُّجُوعِ إلَى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ بِجَحْدِ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ بِالْمُسَابَّةِ.
قال: (وَبِالشَّغَبِ) يعني: قطعَ كلٌ منهما بالشغب.
(وَبِالشَّغَبِ بِالْإِبْهَامِ بِلَا شُبْهَةٍ) أو بالإيهام من غير حجة ولا شبهة، ويأتي الإبهام والإيهام.
يعني: لفظٌ مُبهم أو مُوهم (بِلَا شُبْهَةٍ) .
قَالَ فِي الْوَاضِحِ: اعْلَمْ أَنَّ الانْقِطَاعَ بِالْمُشَاغَبَةِ عَجْزٌ عَنْ الاسْتِفْهَامِ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ نُصْرَةِ الْمَقَالِ إلَى الْمُمَانَعَةِ بِالإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلا شُبْهَةٍ.
وَحَقُّ مِثْلِ هَذَا إذَا وَقَعَ: أَنْ يُفْصِحَ فِيهِ بِأَنَّهُ شَغَبٌ، وَأَنَّ الْمِشْغَبَ لا يَسْتَحِقُّ زِيَادَة.
فَإِنْ كَانَ الْمِشْغَبُ مَسْئُولًا قِيلَ لَهُ: إنْ أَجَبْتَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَإِلاَّ زِدْنَا عَلَيْك، وَإِنْ لَمْ تُجِبْ عَنْهَا أَمْسَكْنَا عَنْك.
وَإِنْ كَانَ سَائِلًا قِيلَ لَهُ: إنْ حَصَّلْتَ سُؤَالًا سَمِعْتَ جَوَابًا وَإِلاَّ فَلاَ، فَإِنَّ الْمِشْغَبَ لا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا.
فَإِنْ لَجَّ وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ أَعْرَضَ عَنْهُ؛ لأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَا فِيهِ حُجَّةٌ أَوْ شُبْهَةٌ حديثُك في علمٍ فقط، وما عداه فانزع عنهم.
{فَإِذَا عَرِيَ الْجَدَلُ عَنْ الأَمْرَيْنِ} الحجة أو الشُّبهة {إلَى الشَّغَبِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ} ورجع إلى التحريم السابق.
{وَكَانَ الأَوْلَى بِذِي الرَّأْيِ الأَصِيلِ وَالْعَقْلِ الرَّصِينِ: أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ، وَيَرْغَبَ بِوَقْتِهِ عَنْ التَّضْيِيعِ مَعَهُ، وَلا سِيَّمَا إذَا كَانَ الاشْتِغَالُ بِهِ مِمَّا يُوهِمُ الْحَاضِرِينَ أَنَّ صَاحِبَهُ سَالِكٌ لِطَرِيقِ الْحُجَّةِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَا يُرَى مِنْهُ مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ. وَالاغْتِرَارِ بِإِقْبَالِ خَصْمِهِ عَلَيْهِ بِالْمُنَاظَرَةِ فَحَقُّ مِثْلِ هَذَا: أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْمُشَاغَبَةِ دُونَ طَرِيقِ الْحُجَّةِ أَوْ الشُّبْهَةِ} .
(وَلَا يَنْقَطِعُ مَسْئُولٌ بِتَرْكِ الدَّلِيلِ لِعَجْزِ فَهْمِ السَّامِعِ) .
يعني: قد ينقطع وقد لا ينقطع بترك الدليل، إن كان لا يعلمه انقطع، وإن كان عدمُ ذكر الدليل لأن السامع لا يفهمه هذا لا يسمى انقطاعًا.
{وَلا يَنْقَطِعُ مَسْئُولٌ بِتَرْكِ الدَّلِيلِ؛ لِعَجْزِ فَهْمِ السَّامِعِ الَّذِي هُوَ السَّائِلُ} (أَوْ انْتِقَالِهِ) {أَيْ: الْمَسْئُولِ} (إلَى) {دَلِيلٍ} (أَوْضَحَ مِنْهُ) {أَيْ: مِنْ الدَّلِيلِ الأَوَّلِ} (لِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) .
يعني: تركُ الدليل إلى ما هو أوضح منه هذا لا يُعتبر انقطاعًا؛ لأنه معمولٌ به عند أرباب الجدليين، ولهم حجةٌ وهي قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع نمرود.