(وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَغْتَرَّ بِخطأ الْخَصْمِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ حِيلَتِهِ، وَأَنْ لا يَعْتَادَ الْخَوْضَ فِي الشَّغَبِ فَيُحْرَمَ الْإِصَابَةَ، وَيَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنْ الِانْقِطَاعِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا فِي الْجَدَلِ) هذه طيبة.
(وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا فِي الْجَدَلِ، فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ) ولذلك قد يؤتاها دون اكتساب، قد يحسن الجدال دون أن يتعلم هذا الفن، وإنما يحتاج بعض الاصطلاحات إذا أراد أن يجادل من له خبرة بهذا؛ لئلا يفُوته شيءٌ من الاصطلاح، وإلا إذا أراد تبيين المسائل نقول: لا يحتاج إلى جدل، وإنما النظر في المسألة وفي دليلها، لأن الأمر فطري.
يعني: القول في الجدل بعضُه كالقول في المنطق. أمورٌ فطرية.
قال: (وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا فِي الْجَدَلِ، فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ، وَالْعِلْمُ مَادَّتُهُ فَالْمُجَادِلُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَالِمِ، وَلَا عَكْسَ) .
{أَيْ لا يَحْتَاجُ الْعَالِمُ إلَى الْمُجَادِلِ} .
قال: (وَأَنْ لا يَتَكَلَّمَ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي لا إنْصَافَ فِيهَا) .
قال هنا: قَالَ فِي الْوَاضِحِ: فَصْلٌ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: احْذَرْ الْكَلامَ فِي مَجَالِسِ الْخَوْفِ يعني: إذا كنت تخاف فلا تتكلم.
{فَإِنَّ الْخَوْفَ يُذْهِلُ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ يَسْتَمِدُّ الْمُنَاظِرُ حُجَّتَهُ} .
ولذلك قالوا: إذا كنت تخاف فلا تخطب ارتجالًا، إن كنت تخاف ابدأ بورقة.
قال هنا: فَإِنَّ الْخَوْفَ يُذْهِلُ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ يَسْتَمِدُّ الْمُنَاظِرُ حُجَّتَهُ، وَيَسْتَقِي مِنْهُ الرَّأْيَ فِي دَفْعِ شُبُهَاتِ الْخَصْمِ، وَإِنَّمَا يُذْهِلُهُ وَيَشْغَلُهُ بِطَلَبِهِ حِرَاسَةَ نَفْسِهِ، الَّتِي هِيَ أَهَمُّ مِنْ مَذْهَبِهِ وَدَلِيلِ مَذْهَبِهِ، فَاجْتَنِبْ مُكَالَمَةَ مَنْ تَخَافُ، فَإِنَّهَا مُمِيتَةٌ لِلْخَوَاطِرِ، مَانِعَةٌ مِنْ التَّثَبُّتِ.
وَاحْذَرْ مُكَالَمَةَ مَنْ اشْتَدَّ بُغْضُك إيَّاهُ، فَإِنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى الضَّجَرِ وَالْغَضَبِ يعني: يغضب مباشرة منذ أن يراه قبل أن يتكلم.
قال: فَإِنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى الضَّجَرِ وَالْغَضَبِ مِنْ قِلَّةِ مَا يَكُونُ مِنْهُ والضَّجَرُ، وَالْغَضَبُ مُضَيِّقٌ لِلصَّدْرِ، وَمُضْعِفٌ لِقُوَى الْعَقْلِ.
وَاحْذَرْ الْمَحَافِلَ الَّتِي لا إنْصَافَ فِيهَا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك فِي الإِقْبَالِ وَالاسْتِمَاعِ يعني: الأماكن التي لا يُفرِّق بينها الناس فيمن يُقبِلون عليك أو على غيرك.
{وَلا أَدَبَ لَهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الشَّرْعِ إلَى الْحُكْمِ عَلَيْك، وَمِنْ إظْهَارِ الْعَصَبِيَّةِ لِخَصْمِك} .