هذا إذا كانت المناظرة على الملأ، إذا كان الملأ هؤلاء فيهم الغث والسمين فالأولى ألا يُناظَر، ومثله ما نراه الآن في الفضائيات. هذه أولًا ليست لهذه القضية وإنما لقضية نشر البدعة؛ لأن أكثر من يشاهد هذه القنوات هم العوام، فكيف حينئذٍ يؤذن لمن يطعن في الصحابة أن يأتي بالأدلة -إن كانت أدلة-، ويستمعها الناس، وأحيانًا يطعن في معاوية ويأتي: وفَعَل وفعَل وفعَل .. العامي إذا سمع هذا، أقل الأحوال قد يبحث بنفسه ولا يجد عنده مقدرة على الفهم الصحيح؛ لأن بعض الأخبار قد تكون منقولة لكنها غير موجَّهة توجيهًا صحيحًا، من هنا حرُمت هذه المناظرات في الفضائيات، وإنما يتناظرون عند الخاصة، وأما أن تُعلَن هكذا على الملأ هذا لا يجوز شرعًا ولا تجوز المشاركة في مثل هذه النوعيات.
قال هنا: وَالاِعْتِرَاضُ يَخْلُقُ الْكَلامَ، وَيُذْهِبُ بَهْجَةَ الْمَعَانِي بِمَا يُلْجَأُ إلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ التَّرْدَادِ. وَمَنْ تَرَكَ التَّرْدَادَ مَعَ الاعْتِرَاضِ: انْقَطَعَ كَلامُهُ وَبَطَلَتْ مَعَانِيهِ.
وَاحْذَرْ اسْتِصْغَارَ خَصْمِك فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ التَّحَفُّظِ، وَيُثَبِّطُ عَنْ الْمُغَالَبَةِ ما تنشط؛ لأنه صغير عندك.
وَلَعَلَّ الْكَلامَ يُحْكَى فَيُعْتَدُّ عَلَيْك بِالتَّقْصِيرِ.
وَاحْذَرْ كَلامَ مَنْ لا يَفْهَمُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ يُضْجِرُكَ وَيُغْضِبُكَ إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرِيزَةٌ صَحِيحَةٌ يعني: ترجو منه خيرًا.
وَيَكُونَ الَّذِي بَطَّأَ بِهِ عَنْ الْفَهْمِ فَقْدُ الاعْتِيَادِ، فَهَذَا خَلِيلٌ مُسْتَرْشِدٌ فَعَلِّمْهُ، وَلَيْسَ بِخَصْمٍ فَتُجَادِلُهُ وَتُنَازِعُهُ.
وَقَدِّرْ فِي نَفْسِك الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ لِئَلاَّ تَسْتَفِزَّكَ بَغَتَاتُ الإِغْضَابِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلْمِ خَاصَّةٌ تُجْتَلَبُ، لَكَانَتْ مَعُونَةً عَلَى الْمُنَاظَرَةِ تُوجِبُ إضَافَتَهُ إلَيْهَا.
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الانْقِطَاعِ إلاَّ مَنْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِصْمَةِ مِنْ الزَّلَلِ هذا إنما هو شأن الأنبياء فقط.
{وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ: أَنْ يَكُونَ حَاذِقًا بِالْجَدَلِ، فَالْعِلْمُ بِضَاعَةٌ، وَالْجَدَلُ صِنَاعَةٌ، إلاَّ أَنَّ مَادَّةَ الْجَدَلِ وَالْمُجَادِلِ تَحْتَاجُ إلَى الْعَالِمِ، وَالْعَالِمُ لا يَحْتَاجُ فِي عِلْمِهِ إلَى الْمُجَادِلِ، كَمَا يَحْتَاجُ الْمُجَادِلُ فِي جَدَلِهِ إلَى الْعَالِمِ} وهو كذلك، الجدل صناعة.
{وَلَيْسَ حَدُّ الْجَدَلِ بِالْمُجَادَلَةِ: أَنْ لا يَنْقَطِعَ الْمُجَادِلُ أَبَدًا، أَوْ لا يَكُونَ مِنْهُ انْقِطَاعٌ كَثِيرٌ إذَا كَثُرَتْ مُجَادَلَتُهُ. وَلَكِنَّ الْمُجَادِلَ: مَنْ كَانَ طَرِيقُهُ فِي الْجَدَلِ مَحْمُودًا، وَإِنْ نَالَهُ الانْقِطَاعُ لِبَعْضِ الآفَاتِ الَّتِي تُعْرَفُ} .
يعني: في مواضعها، وهذا كلامٌ حسن يحتاجه طلاب العلم اليوم، لأنهم إذا تناقشوا في المسائل رأيتَ المُسَابَّة، وقد يصل بعضهم إلى المضاربة أيضًا وليست إلى المسابَّة فحسب.
ثم إساءة الظن، ثم الغيبة، ثم النميمة .. إلى آخر ما يُذكر.