{وَلَوْلا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى دَوَامِهِ إلَى أَنْ يُوجَدَ السَّبَبُ الْمُزِيلُ وَالْمُبَرِّئُ لَمَا زَالَ اسْتِصْحَابُهُ} .
إذًا: الفرق بين هذا النوع وبين الاستصحاب بحكم الدليل الشرعي أن هذا نظرٌ في الدليل نفسه، وهذا نظرٌ فيما دل عليه الدليل وهما متقاربان.
يعني: إما أن يُنظر في العموم من حيث اللفظ فالأصل استصحابه، أو النظر إلى الحكم، فحينئذٍ هذا مستصحبٌ وهذا مستصحبٌ، الدليل يُستصحب من حيث اللفظ وعمومُه، وكذلك الحكم الشرعي مستصحب. فحينئذٍ هما متقاربان.
قال: (وَلَيْسَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ حُجَّةٌ) .
هذا النوع فيه نزاع بين الأصوليين، والصواب هو ما ذكره المصنف، أن الإجماع إذا أجمعوا على مسألة في موضعٍ متفقٍ عليه، هل يُستصحب يعني: يُجعل هذا الإجماع معنا في محل النزاع؟ الجواب: لا. ليس بحجة، هذا الصواب.
(لَيْسَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ) يعني: على ما ترتب على الإجماع.
(فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ) في صورة الخلاف.
(حُجَّةٌ) عِنْدَ الأَكْثَرِ وَخَالَفَ جَمْعٌ فِي ذَلِكَ.
وَوَجْهُ اخْتِيَارِ الأَكْثَرِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّكَافُؤِ فِي الأَدِلَّةِ والأصح أن يقال بأنه لا يدل الإجماع .. ليس عندنا إجماع. يعني: الإجماع انتفى وليس عندنا إجماع يُستصحب.
يعني: هذا الاستصحاب -أنه استصحب حكم الإجماع- استصحابٌ صوري؛ لأنه الإجماع حصل على محل الوفاق، ومحل الخلاف لم يحصل فيه الإجماع فأين الإجماع؟
فالصواب أن يقال بأنه لم يتحقق إجماعٌ في صورة النزاع.
وأما تكافؤ الأدلة متى؟ هذا إن سلَّمنا بأنه إجماع وليس عندنا إجماع أصلًا.
{وَوَجْهُ اخْتِيَارِ الأَكْثَرِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّكَافُؤِ فِي الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْتَصْحِبُ حَالَةَ الإِجْمَاعِ فِي مَوْضِعِ الْخِلافِ إلاَّ وَلِخَصْمِهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حَالَةَ الإِجْمَاعِ فِي مُقَابِلِهِ} .
وهذا تعليلٌ عليل، وإنا نقول: الصواب أنه انعقد الإجماع على محل الوفاق، فاستصحاب الإجماع في محل النزاع هذا افتراء على الإجماع؛ لأنه ليس فيه إجماع.
عندما ندَّعي بأن الإجماع منعقد على أنه إذا وَجد الماء لا تيمُّم، فإذا وَجد الماء في أثناء الصلاة هذه مسألة مُختلفٌ فيها.
إذًا: الإجماع قبل الصلاة، والخلاف وقع بعد تكبيرة الإحرام. هذه صورة وهذه صورة، حينئذٍ كيف يقال بأنهم أجمعوا؟ هذا فاسد وليس بصحيح.
{مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ قِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلاةِ تُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ} هذه صورة .. هذا حال.
{فَكَذَا فِي الصَّلاةِ} لا، نقول: فكذا في الصلاة لم يُجمعوا.
لو حصل الاتفاق بأنه لو رأى الماء في أثناء الصلاة أجمعوا، حصل الاتفاق على مدلول هذه الصورة. نعم سلَّمنا بالإجماع، وإنما الإجماع مقيدٌ في غير الصلاة، فأين الإجماع حتى يُستصحب؟ هذا استصحاب باطل وليس بسديد.
{قِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ تَحْرِيمَتِهِ فَمَنْ أَبْطَلَهُ لَزِمَهُ الدَّلِيلُ} .
يعني: يحتاج إلى دليل منفصل.