فهرس الكتاب

الصفحة 1723 من 1890

قال: (وَتَعَبُّدُهُ أَيْضًا بِهِ بَعْدَهَا) .

(وَتَعَبُّدُهُ) هذا متفرع على الاختلاف في شرع من قبلنا.

(وَتَعَبُّدُهُ) {أَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيْضًا بِهِ) أَيْ: بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثَةِ عَلَى الصَّحِيحِ} .

يعني: وقع بعد البعثة بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعبَّد بشرع من قبلنا، وهذه المسألة التي اختلف فيها الأصوليون: هل هي دليلٌ شرعيٌ يصلح التمسك به أو لا؟

فهذا تمهيدٌ من المصنف إلى أن وصل لهذه المسألة.

شرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا أم لا؟

قلنا: هذا فيه تفصيل: منه ما يُعتبر شرعًا لنا باتفاق، ومنه ما يُعتبر ليس شرعًا لنا باتفاق، ومنه ما هو محل نزاع.

فما يُعتبر شرعًا لنا باتفاق: ما اتفقت عليه الشريعتان؛ بأنه شريعةٌ لهم وجاءت شريعتنا بالأمر به، هذا محل وفاق كالقصاص.

القصاص هذا من شريعة من قبلنا (( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) ) [المائدة:45] ، وقال: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) ) [البقرة:178] .

إذًا: القصاص شرع من قبلنا، وهو كذلك شرعٌ لنا .. أُمِرنا به. هذا محل إجماع .. ليس محل الخلاف.

كذلك النوع الذي يقابله: ما ليس شرعًا لنا باتفاق، وهو ما جاء أنه شرعٌ لهم لا من طريق الوحي، وإنما جاء في التوراة والإنجيل وأخبار بني إسرائيل .. ونحوها.

هذا باتفاق أهل العلم ليس شرعًا لنا بالإجماع.

ماذا بقي؟

ما جاء التنصيص عليه في الكتاب والسنة فقط، ولم يُنسخ، وما جاء وقد نُسخ كرفع الآصار ونحوها هذا منسوخٌ باتفاق، لا خلاف فيه.

بقي ماذا؟

دلَّنا شرعُنا -كتابنا وسنة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه مما تُعبِّد به مَن قبلنا وسَكتَ، لم يَنفِ ولم يُثبِت، هل هو شرعٌ لنا أم لا؟ هذا محل النزاع.

والصحيح الذي عليه الصحابة أنه شرعٌ لنا ويُتمسك به؛ لأنه ما ذكره الباري جل وعلا إلا من أجل أن نعمل به وثَم أحاديث تدل على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مأمورٌ في الجملة باتباع من سبق.

قال هنا: (وَتَعَبُّدُهُ) {أَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِهِ) أَيْ: بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثَةِ عَلَى الصَّحِيحِ} وهو كذلك.

لكن إطلاق المصنف هنا لعله يُقيَّد بما سيأتي، يعني: ليس على إطلاقه، لم يتعبَّد مطلقًا؛ لأن ثَم منه ما هو منسوخ، فحينئذٍ كيف يُطلِق القول؟ لعله يُقيَّد بما سيأتي ذكره

قال: {فَعَلَى هَذَا (هُوَ) أَيْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا} (شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُنْسَخْ) يعني: في شرعنا.

وهذا إذا نُسخ فهو محل وفاقٍ بين أهل العلم، كما نُسخ (( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ) [الأعراف:157] .

إذًا: هذا أثبت أن شرع من قبلنا كانت عليهم الآصار والأغلال، ووَضَعها عنا بمعنى أنها نُسخت في حقنا، هذا ليس شرعًا لنا.

إذًا: قوله: (مَا لَمْ يُنْسَخْ) فإن نُسِخ فليس شرعًا لنا بالإجماع، لا خلاف فيه.

ولذلك المسألة: طرفان ووسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت