وإن قلت: لا .. بدون وحي، وهذا هو الظاهر والله أعلم؛ لأنه أول ما بُدئ به الوحي جاء مقيدًا. إذًا: قبل ذلك لم يوحَ إليه، إذًا: كيف تعبَّد؟ هل هي موجودة أو لا؟ نقول: نعم موجودة .. هذا موجود ولا شك فيه.
قال هنا: {وَقِيلَ: بَلْ بِشَرْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ فَقِيلَ: آدَم أَوْ نُوحٌ أَوْ إبْرَاهِيمُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَجَمْعٌ، أَوْ مُوسَى أَوْ عِيسَى} .
الله أعلم، هذا نحتاج إلى دليل ولا دليل، تعيين في مثل هذه المسائل لا بد فيها من نصٍ ولا نص.
وإنما نقول: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان يتحنث في غار حراء، فسَّره الزهري يتعبَّد، نقطع بأنه يتعبَّد، ويتعبد بما بلغه من شرع الله تعالى.
لكن ما نوع التعبّد؟ الله أعلم، يتعبَّد بدين من؟ برسالة من؟ الله أعلم.
فإحالة العلم إلى الباري جل وعلا هو العلمُ هنا في مثل هذه المسائل، نقول: الله أعلم، لم يبلغنا شيء.
ثم لا ينبني عليه حكمٌ شرعي باعتبار المكلفين.
{وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الأَكْثَرِ: كَوْنَهُ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِشَرْعٍ مُطْلَقًا؛ لاسْتِحَالَتِهِ عَقْلًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَشَرْعًا عِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالآمِدِيِّ إذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ، وَلَتَدَاوَلَتْهُ الأَلْسِنَةُ} .
يعني: كونه متعبِّدًا بشرع من قبل، هل هو ثابتٌ بالشرع أو ثابتٌ بالعقل؟
بالعقل؛ بناء على المعتزلة على دينهم وهو مسألة الحُسن والقُبح.
{وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ} بدون تعيين {بِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَتَحَنَّثُ -أَيْ يَتَعَبَّدُ- فِي غَارِ حِرَاءٍ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءٍ} .
إذًا: ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتعبَّد في غار حراء يعني: قبل البعثة. فدل على أنه يتعبّد بما شرعه الله تعالى إليه.
وبأدلة إثبات الوحي -النبوة- للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أول ما بدء به الوحي نستدل بذلك على أن هذا التعبُّد لم يأخذه من جهة الوحي.
إذًا: ما هو الطريق؟ وجود الشرائع .. الشرائع موجودة.
قال هنا: {رُدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: التَّفَكُّرُ وَالاعْتِبَارُ} يعني: من منع قال: هذا لا يجوز، كان يتحنث أي: يتعبد في غار حراء.
{مَعْنَاهُ: التَّفَكُّرُ وَالاعْتِبَارُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ عِبَادَةُ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ فَعَلَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ تَشَبُّهًا بِالأَنْبِيَاءِ. رُدَّ بِالْمَنْعِ} .
هذا ممنوع؛ لأن ظاهره أنه كان يتعبد فأطلَقَت، يتحنث فأطلَقت؛ فالتخصيص حينئذٍ كونه بصوم أو غيره كذلك لا ندخل فيه؛ لأنه جاء لفظٌ مطلق، لا نقول بصومٍ، ولا نقول بحج .. ولا نذكر هذه الأشياء البتة، وإنما نقول: يتحنث فقط.