إذًا: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ثم ثبت بشرعنا أنه شرعٌ لنا كالقصاص هذا محل وفاق.
وما ثبت بشرعنا أنه شرعٌ لمن قبلنا ولم يصرِّح بنسخٍ في شرعنا هو محل النزاع.
قال هنا: {وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: وَيَثْبُتُ أَيْضًا بِأَخْبَارِ الآحَادِ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} هذا استدراكٌ على ما سبق.
{وَقِيلَ: نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ نَفْيُ التَّعَبُّدِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَوْنُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا} .
يعني رواية أخرى، والصواب هو الرواية الثانية وهي أنه شرعٌ لنا، والأدلة دالة على ذلك.
قال:"منها"من الأدلة الدالة على أنه شرعٌ لنا.
قوله سبحانه وتعالى: (( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) )بعد أن ذكر الأنبياء، هذه سورة الأنعام.
بعد أن ذكر الأنبياء وعدَّهم على أنهم ثمانية عشر نبيًا قال: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) )قال: (( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ) ) [الأنعام:90] إذًا: هذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب ولم يستثني، ولم يفصِّل، فدل على أن ما بلغك من هديهم أنت مأمورٌ باتباعه.
إذًا: اتباعٌ لا موافقة؛ لأنه أمرٌ ومعلومٌ أن الأمر يقتضي الوجوب، وهذا شرعنا .. الآية هذه (( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) )هذه شرعنا نحن، ولكن فيه تضمين أنَّ ما شُرع لهم هو شرعٌ لنا بالقيد السابق.
قال: {رُدَّ، أَرَادَ الْهُدَى الْمُشْتَرَكُ} .
(( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) )يعني: التوحيد العام والإسلام.
لاخْتِلافِ شَرَائِعِهِمْ، وَالْعَقْلُ هَادٍ إلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ لا بِالاقْتِدَاءِ.
أُجِيبَ: الشَّرِيعَةُ مِنْ الْهُدَى كالتوحيد والإسلام.
{وَقَدْ أُمِرَ بِالاقْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالنَّاسِخِ، كَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ} .
والجواب أن يقال: قوله: (( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) )أَطلق والأصل فيه العموم. يعني: أفاد الإطلاق العموم البدلي، فحينئذٍ نقول: (( فَبِهُدَاهُمْ ) )بهدى الأنبياء (( اقْتَدِهِ ) )يعني: اقتد بهداهم، قدَّم المتعلِّق على المتعلَّق فدل على الخصوص.
إذًا:"بهداهم"يشمل الشريعة كلها سواء كانت التوحيد وأصول الشريعة، وسواء كان غيرها.
{قَالَ مُجَاهِدٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجَدُ فِي ص؟} في سورة ص {فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ - (( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) )- وَقَالَ: نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ} .
إذًا: فهمُ الصحابة .. ، ولذلك نقول: جمهور الصحابة إن لم نحكي إجماعًا على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وهذا واضح.
{وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: (( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ ) )} .
(( أَنْ اتَّبِعْ ) )أمر والأمر يقتضي الوجوب.
{رُدَّ، أَرَادَ التَّوْحِيدَ؛ لأَنَّ الْفُرُوعَ لَيْسَتْ مِلَّةً} باطل، بل الفروع من الملة.
وَلِهَذَا لَمْ يَبْحَثْ عَنْهَا.
أُجِيبَ: الْفُرُوعُ مِنْ الْمِلَّةِ تَبَعًا، كَمِلَّةِ نَبِيِّنَا نحن نقول: ملة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل فيها الأصول والفروع، إذًا: شمِلت، وهذا تعنُّت.