قال: (بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ) {الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَصْنَافِ الاسْتِدْلالِ نَوْعَانِ} .
لأنه إما أن يكون تامًا لجميع الجزئيات، وإما أن يكون لكثير منها ولا يكون تامًا.
الأول قطعيٌ عند المناطقة والأصوليين، والثاني محل نزاع هل يفيد الظن أو لا؟
قال: نوْعَانِ
أَحَدُهُمَا: اسْتِقْرَاءٌ تَامٌّ.
قال هنا: وهو ما يكون فيه حصر الكلي في جزئياته، ويكون بتصفح جميع الجزئيات.
حصر الكلي في الجزئيات هذه النتيجة وليست هي عين الاستقراء، وإنما يكون بتصفح جميع الجزئيات يعني: يكون الصعود من الجزئي إلى الكلي لا العكس.
قال: {مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ} : (إنْ كَانَ تَامًّا إلَّا صُورَةَ النِّزَاعِ، فَقَطْعِيٌّ) ما عرَّفه، إنما قال: (إنْ كَانَ تَامًّا) .
المراد بالتمام هنا: ألا يترك جزئيًا إلا ونظر فيه، هذا المراد بالتمام.
أن يتصفح جميع الجزئيات، فإن ترَك ولو واحدًا منها لا يسمى تامًا.
وهذا قطعيٌ بمعنى أنه يفيد اليقين.
قال: (إنْ كَانَ) أَيْ الاسْتِقْرَاءُ (تَامًّا) أَيْ بِالْكُلِّيِّ (إلَّا صُورَةَ النِّزَاعِ) فهُوَ قَطْعِيٌّ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
وَحُدَّ هَذَا: بِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ فِي جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي الْكُلِّيِّ نَحْوُ: كُلُّ جِسْمٍ مُتَحَيِّزٌ هذه نتيجة.
كيف جاء الاستقراء؟ قال: {اسْتَقْرَأْنَا جَمِيعَ جُزْئِيَّاتِ الْجِسْمِ فَوَجَدْنَاهَا مُنْحَصِرَةً فِي الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ} .
إذًا: ظاهر كلامه السابق: {إثْبَاتُ حُكْمٍ فِي جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي الْكُلِّيِّ} هذا فيه قصور التعريف؛ لأن الاستقراء التام عكس: نظرٌ في جزئي ثم صعودٍ إلى كلي، ولذلك المثال يوضِّح.
قال: {نَحْوُ: كُلُّ جِسْمٍ مُتَحَيِّزٌ} هذه نتيجة.
كيف وصلنا إلى النتيجة؟
{اسْتَقْرَأْنَا جَمِيعَ جُزْئِيَّاتِ الْجِسْمِ} إذًا: بدأنا بالجزئيات {فَوَجَدْنَاهَا مُنْحَصِرَةً فِي الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ. وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ مُتَحَيِّزٌ فَقَدْ أَفَادَ هَذَا الاسْتِقْرَاءُ الْحُكْمَ يَقِينًا فِي كُلِّيٍّ، وَهُوَ الْجِسْمُ الَّذِي هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ} .
إذًا: صعودٌ من جزئي إلى كلِّي.
{فَكُلُّ جُزْئِيٍّ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا حُكِمَ بِهِ عَلَى الْكُلِّيِّ، إلاَّ صُورَةَ النِّزَاعِ. فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ، وَهُوَ مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ عِنْدَ الأَكْثَرِ} .
هذا استقراء تامٌ وهو مفيدٌ للقطعيات.
{النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِقْرَاءٌ نَاقِصٌ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ} : (أَوْ نَاقِصًا بِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ) لا يكون في جميع الجزئيات، وإنما يكون في أكثر الجزئيات.
يعني: ينظر في بعض أجزاء القرآن فيجد أن الأمر بعد الحظر للإباحة فيقعِّد قاعدة، يقول: وجدنا في ثلاثين موضع كذا، لكن لا يستقرئ جميع الموارد، هذا استقراءٌ ناقص لا يتم الحكم به على جهة اليقين.
قال: (أَوْ نَاقِصًا) {بِأَنْ يَكُونَ الاسْتِقْرَاءُ} (بِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ) .