فإذا لم يثبت عنه شيء حينئذٍ يقول: استقراء تام هذا، لكن مثَّل به على الناقص.
{وَمِنْ شَوَاهِدِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ: مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا} مجمعٌ عليه: أن الظن يجب العمل به. قاعدة قطعية .. لا يحتاج إلى استدلال.
{مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسَبُ} فأَحسِبُ فأَحسَبُ وجهان: حَسِبَ يَحسِبُ .. حَسَبَ يَحسَبُ، فيه وجهان ..
وَجْهَانِ فِيهِ مِنِ (احْسِبْ) مَعْ (وَغِرْتَ) (وَحَرْتَ) ... انْعِمْ) (بَئِسْتَ) (يَئِسْتَ) (اوْلَهْ) (يَبِسْ) (وَهِلاَ)
{فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا} .
إذًا: بيّن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يظن ظنًا إذا حكم؛ لأنه لا يعلم ما في القلوب، وإذا كان كذلك فحينئذٍ وجب العمل بالظن لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد عمل هنا بظنه ولم يقطع؛ لأنه ينفي عما في القلوب.
قال: {ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الاسْتِدْلالَ إمَّا بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ وَهُوَ الاِسْتِقْرَاءُ} بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ إن كان على جهة العموم حينئذٍ هو استقراء تام، وإن كان لأكثر الجزئيات فهو استقراء ناقص.
{أَوْ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ} . عند المناطقة.
{أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ} فتقول: إلحاق فرعٍ بأصل لعلة جامعة في الحكم، وتأتي بالقياس المنطقي عندهم هذا عام، تستدل به على إثباتِ خاص.
{أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ} هذا الاستقراء عند من؟ قال هنا: {أَنَّ الاسْتِدْلالَ: إمَّا بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَهُوَ الاسْتِقْرَاءُ، أَوْ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ} عند المناطقة.
{أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ التَّمْثِيلُ} وهو القياس عند الفقهاء: إلحاق فردٍ بفردٍ.
{أَوْ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَهُوَ قِيَاسٌ أَوْ تَمْثِيلٌ} .
الكلي على كلي هذا لا يعتني به الفقهاء.
ثم قال رحمه الله تعالى بعدما بيَّن الاستقراء هل هو حجة أو لا.
قال: (وَقَوْلُ صَحَابِيٍّ) أراد أن يبيِّن مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا.
قول الصحابي له أحوال: إن رَفَع الخبر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو واضح، وإن لم يرفعه فحينئذٍ إما أن يكون قولُه مما يحتمل الرأي أو لا .. إما أن يحتمل الاجتهاد أو لا.
الثاني -إن لم يحتمل الرأي-: فهو مرفوعٌ حكمًا؛ لقول ابن مسعود: يؤتى يوم القيامة بجهنم تقاد .. هذا خبر غيب، ما الذي أدراه؟ ما رَفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صراحة، لكنه لما كان هذا الخبر لا يؤخذ إلا من جهة الوحي، وليس للاجتهاد فيه مجال، قلنا هذا مرفوعٌ حكمًا.