(الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ) أراد به أن يبيِّن أن المجتهد هنا لا بد أن يجمع بين الدليلين، ومعلومٌ أن الفقه قائمٌ على نوعين من الدليلين: دليلٌ كلي إجمالي، ودليلٌ تفصيلي.
فالدليل الكلي الإجمالي .. أدلة الفقه الإجمالية هي عينُها أصول الفقه، فلا بد أن يجمع بين الأمرين.
إذ لا يكون فقيهًا إلا إذا كان عالمًا بكيفية إثبات الحكم الشرعي، هذا لا يسمى فقيهًا، إنما يسمى مقلِّدًا، إذا كان أخذ الحكم الشرعي دون نظرٍ في وجه الاستنباط، أو دون نظرٍ في الدليل هذا يسمى مقلِّدًا.
إذًا: الفقيه عرَّفه هنا بمعنى يناسب الاجتهاد: (الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ) يعني: بأدلة الفقه الإجمالية.
قال: {بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا} .
وهنا يأتي مسألة الانفكاك: المجتهد عن المقلّد؛ لأن المقلد لا يدري كيف أخذ إمامه الحكم الشرعي من الدليل، وإنما يحفظ الحكم الشرعي مع دليله.
(وَمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ) أَيْ: ما يستمد أُصُولِ الْفِقْهِ منهُ.
ومر معنا أنه قائمٌ على جهة التفصيل، أو على جهة الإجمال أنه قائمٌ على لسان العرب.
قال هنا: {وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ} يعني: أن يكون عالمًا بأصول الفقه.
{أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ سَجِيَّةٌ} يعني: ملكة، الملكات هذه ليست بالأمر الهيِّن.
{سَجِيَّةٌ وَقُوَّةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِالْجَمْعِ} بين المسائل {وَالتَّفْرِيقِ} بين المسائل {وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّصْحِيحِ وَالإِفْسَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِلاكُ صِنَاعَةِ الْفِقْهِ} .
وهذا قيد لا بد منه: أن يكون عنده سجيةٌ أي: ملكة وقوة يقتدر بها على النظر في الفقه، ويرتبه من حيث الجمع ومن حيث التفريق، يعني: المشتبهات ويُجمع بينها .. المتماثلات، كذلك المتفرقات يفرِّق بينها، ويرتب المسائل بعضها على بعض؛ لأن بعضها متشقِّق من بعض .. مبنيٌ على بعض.
والتصحيح لبعضها، والإفساد فيما يستحق الإفساد، فإن ذلك مِلاك صناعة الفقه.
{قَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْفَقِيهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا، كَكَلامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ سَمِعَهَا، فَلَيْسَ بِفَقِيهٍ} .
يعني: يستوي عنده الأمران: مسألةٌ سمعها وأخذَها من شيخه وأتقنها، ومسألة لم يسمعها لكنه بحث وأتقنها، فتستوي عنده المسألتان، فإن لم يكن كذلك قال: فليس بفقيه.
{وَاَلَّذِي يُسْتَمَدُّ مِنْهُ أُصُولُ الْفِقْهِ: هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُمَا} .
إذًا: الشرط الأول: كونه فقيهًا، وفسَّر الفقيه بأنه (الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ) بهذا القيد خرج فقهاء الزمان.
قال رحمه الله تعالى: (وَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا) .
إذًا: النوع الثاني من نوعي أدلة الفقه، الأول: ما سبق شرطه في الإجمالية، وهذا ما يتعلق بالسمعية مفصَّلةً.
(وَ) {أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بـ} (الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ) حال كونها (مُفَصَّلَةً) وهو الدليل الجزئي الذي يتعلق بكل مسألة على جهة الخصوص، ومر معنا في أوائل الكتاب ذلك.