قال: (وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا) لأنها ليست على مرتبة واحدة.
ولذلك جعلوا بابًا يتعلق بالتعادُل والتراجيح، بمعنى أنه إذا تعارض بعض المسائل أو الأدلة بعضها مع بعض، حينئذٍ لا بد أن يعرف كيف يقدِّم هذه الأدلة بعضها على بعضٍ.
قال: وليس المراد الأدلة السمعية، لا شك أن السمعية المراد بها الكتاب والسنة، والإجماع كذلك نقلي فهو داخلٌ فيه.
{وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنْ يَعْرِفَ سَائِرَ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَمِيعَ أَحَادِيثِ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ} .
يعني قوله: (الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ) قد يتوهم متوهم بأنه أراد أن يعرِف جميع الآيات أو جميع السنة، يعرف جميع الآيات هذا حصره ممكن، وأما معرفة جميع السنة فهذا قد يكون فيه شيءٌ من الصعوبة.
ولكن المراد بعضها، وحينئذٍ اختلفوا في تحديد الآيات -عددِها- كم يحتاج الفقيه من أجل أن يكون فقيهًا بالنظر إليه؟ الصواب: أنه لا يتحدد، بل القرآن كله من أوله إلى آخره هو من آيات الأحكام، وإن كان الفقهاء في كثرة كاثرة حددوا خمسمائة آية، لكن الصواب أنه لا يتحدد.
قال: (فَمِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ) .
من الكتاب يعني: القرآن، الآيات التي تتعلق بالأحكام: بالصلاة، الطلاق، والعدة .. ونحوها. هذه التي ينبغي أن يقف عليها وأن يعرفها، ولا يشترط حفظها.
ومن السنة -من الحديث- كذلك أحاديث الأحكام ينبغي أن يكون على معرفة بها.
(مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ) {وَقَدْ ذَكَرُوا} كأنه أراد أن يتبرأ من القول.
{وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الآيَاتِ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِهِ الأَحْكَامُ بِدَلالَةِ الْمُطَابَقَةِ أَمَّا بِدَلالَةِ الالْتِزَامِ: فَغَالِبُ الْقُرْآنِ، بَلْ كُلُّهُ؛ لأَنَّهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ حُكْمٍ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ} وهو كذلك.
القرآن كله من أوله إلى آخره هو محلٌ لاستنباط الأحكام الشرعية إما بدلالة المطابقة، وإما بدلالة التضمن، وإما بدلالة الالتزام. وحينئذٍ الدلالات كلها معتبرة في الاستنباط.
إذًا: أن يكون عالمًا بالأدلة السمعية مفصلةً يعني: يعرف كل حكمٍ شرعيٍ بدليله من آية أو حديثٍ.
هل يُشترط أن يكون مستوعبًا لجميع الآيات أو الأحاديث؟ الجواب: لا، وإنما ما يتعلق به محل اجتهاده.
قال: {وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ حِفْظَهُ} ليس المراد الحفظ، الحفظ لا يغني وحده وإنما المراد العلم.
ويجمع بينهما وليس هذا فيه نظر أو تزهيدٌ في الحفظ لا، وإنما يحفظ وليس الحفظ مقصودًا لذاته، وإنما الحفظ مقصودٌ لغيره، ويُنتبه لهذا.
{وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ حِفْظَهُ} فلا يشترط حفظها بل يُشترط أن يكون عارفًا بمواضعها حتى يطلب منها الآية التي يحتاج إليها عند حدوث الواقعة.
ونُقِل عن الشافعي أنه يجب حفظ جميع القرآن، ومال إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
هذا للمجتهد، الذي يريد أن يكون مجتهدًا حينئذٍ يجب عليه أن يكون حافظًا للقرآن.