{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَاعْتَبَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: مَعْرِفَةَ أَكْثَرِ الْفِقْهِ} وهذا أقرب والله أعلم؛ أولًا لأنه ينبني عليه الملكة، ولا تتحصل الملكة إلا بذلك.
ثانيًا: كونه يلزم منه الدور لأنه هو الذي يولِّده، هو يولِّد المسائل المستحدَثة .. الحوادث التي لم تقع قبل، وأما ما وقع فالنظر فيها يكون بحسب ما وقع من قولين أو أكثر أو نحو ذلك.
{إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا سَبَقَ مِنْ الشُّرُوطِ: فَفِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ} يعني: في جميع الشريعة ولا يتقيد بإمامٍ من أئمة الدين، وإنما يسمى مجتهدًا مطلقًا يعني: له أن ينظر مباشرة في الكتاب والحديث، هذا الذي يُشترط فيه ما سبق.
{فَفِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ} دون تقليد .. لا يتَّبع مالكًا ولا الشافعي ولا أبا حنيفة ولا أحمد ولا الأوزاعي ولا سفيان ولا غيرهم.
أما المجتهد الأخص من ذلك وهو المجتهد الذي يسمونه مجتهد المذهب، وهذا له شروطٌ أخف من تلك الشروط، تلك معقَّدة قد لا يوجد، ولذلك قال: خلا الزمان عن مجتهد المطلق.
{وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ} .
يعني: ينتحل مذهب إمامه، أو إمام من الأئمة المعتبرين كأبي حنيفة أو غيره، فلا يُعتبر فيه ما تقدم بل يُعتبر فيه بعض تلك الشروط، ليس كلُّ ما تقدم وإنما بعضه.
قال: (وَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) يعني: أولًا هو صاحب مذهب، واجتهاده يكون محصورًا ليس في جميع الشريعة، فحينئذٍ إذا انتحل مذهب أحمد فحينئذٍ لا يجتهد إلا في مذهب أحمد .. تقيَّد به.
ولذلك قال: (وَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) قيَّدَه، يعني: ليس في جملة الشريعة، وهذا ليس له، ما بلغ هذا المبلغ.
قال: {فَهُوَ} (الْعَارِفُ بِمَدَارِكِهِ) مدارك من؟ {مَدَارِكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ} .
المدارك يعني: المآخذ. المدرَك يعني: المحل الذي أدرك منه الحكم، والأكثر يعبِّرون بالمآخذ يعني: مآخذ.
قال الإمام أحمد: تحرُم المتعة، من أين أخذ هذا الحكم؟ من قوله كذا .. كيف أخذه؟ هذا المدرك .. هذا يسمى المدرك .. يسمى المأخذ.
وهذا هو الذي يُربي ملكة الفقه، معرفة كيف أخذ الحكم الشرعي هو الذي يربي ملكة الفقه. وهنا تأتي فائدة أصول الفقه، وأما طأطأة الرأس هذه ما يستفيد منها طالب العلم، وإنما تنظر في القول وكيف أخذه؟
أولًا: من أين أخذه، من أي موضع؟ أي آية، أي حديث؟
لأنه قد لا يُذكر، قد يُذكر القول ولا يذكر معه النص، فيجتهد الأصحاب في ربط الأقوال ببعض الأدلة التي يُظن أنه أخذه منها، ثم تأتي سؤال آخر: كيف أخذه؟ هنا يأتي وجه الاستنباط، وهذا هو المأخذ، وهذا الذي يربي الملكة، وأما حفظ المسائل وحفظ الأحاديث لوحدها والآيات لوحدها .. هذا لا يستفيد منه الطالب في شيء، يستفيد في أشياء أخرى يُؤجر لا شك، لكن لا يستفيد من حيث تربية الملكة الفقهية.
قال: (الْعَارِفُ بِمَدَارِكِهِ) يعني: الذي يعرف مدارك مذهب إمامه؛ لأن كل مذهب مضبوط وله أصوله وله فروعه وله قواعده الخاصة به، وحينئذٍ لا بد من معرفتها.