قال: {أَيْ غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ} يعني: السابق {فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمُوَفَّقُ} يعني: الأقوال البدعية التي حصلت من بعض الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وقد تكون بدعةً مكفِّرة، هل يلزم منها صدق الكفر على قائلها أو معتَقِدِها؟ هذه مسائل التكفير والشروط والموانع له مبحثها.
لكن نقول هنا: أن بعض الصفات أو بعض المسائل التي وقع فيها نزاع بين المخالفين -يعني: من الجهمية وغيرهم- مع السلف، هذه منها ما لا يُعذر بشبهة فيه البتة، ومنها ما قد يُعذر بشبهة.
حينئذٍ كلا الطرفين قد وقع في بدعة، وهذه البدعة في الأصل أنه تكون مكفِّرة وخاصة إذا خالف إجماع السلف -الصحابة- في نفي صفة أو في تحريف صفة.
حينئذٍ نقول: ما يُعلم اضطرارًا من دلالة الكتاب والسنة على أنه صفةٌ للباري جل وعلا كالعلو والاستواء والنزول ونحو ذلك. حينئذٍ نقول: من حرَّف أو أنكر هذه الصفات هذا يُنزَّل عليه الحكم الشرعي؛ لأنه يُعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام.
وما قد يقع فيه شيءٌ من التمسك بالشُّبَه كبعض الصفات التي يمكن أن يكون لها وجهٌ في لسان العرب، هذه قد يقال بأنه وقع في بدعة لكن لا يُنزَّل عليه التكفير، وأما كل من لم يكن من القسم الأول فليس بكافر! نقول: لا. ليس كذلك، بل منه ما قد يكفُر ومنه ما لا قد يكفر.
ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن صفة العلو الذاتي للباري جل وعلا أنه دل عليها أكثر من ألف دليل: الشرع، والفطرة، والعقل، والحس .. كل ذلك يدل على إثبات صفة العلو للباري جل وعلا.
إنكاره بأنه في كل مكان، هذا بدعة مكفِّرة ينزَّل الحكم على فاعلها، على معتقِدها.
كذلك ما يتعلق بصفة النزول وهو أحاديث متواترة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعلومٌ النزول في لسان العرب، فتحريفه لا يكون لشُبهة.
كذلك ما يتعلق بالاستواء، كذلك ما يتعلق بالرؤية .. هذه صفات ثبتت في الكتاب والسنة وهي متواترة، وهي لا تحتمل غير ظاهرها، فحينئذٍ ادعاء أنها يمكن تأويلها أو تحريفها. نقول: هذا لا يُقبل البتة.
على كلٍ قوله: (وَلَا يُكَفَّرُ مُبْتَدِعٌ غَيْرُهُ) هذا إطلاقه فيه نظر، بل فيه تفصيل ويُنظر في محله. والمراد هنا مجرد تمثيل فقط.
قال هنا: {وِفَاقًا لِلأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ} .
مالنا وما للأشعري في مثل هذه المسائل، الأشعري هو مخلِّطٌ في باب الإيمان، وفي باب التكفير، وفي باب المعتقد. وحتى رجوعه لم يرجع إلى مذهب السلف على وجهه.
فمثل هذه المسائل الأصل أنه ما يُعتَمد فيها من لم يكن على الجادة لا في الإيمان ولا في التكفير. يعني: النظر في مثل هذه المسائل يُنتبه، المتكلِّم يُنظر فيه، ماذا يعتقد في باب الإيمان، إن كان يعتقد أن الإيمان مثلًا لا يكون إلا باعتقادٍ وقولٍ، وأن الأعمال ليست داخلة أو أنها شرط كمال. هذا لا يُعتبر قوله.
قال هنا: وَكَمُقَلِّدٍ فِي الأَصَحِّ فِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَلْ يَفْسُقُ أَمْ لا؟