(وَإِلاَّ) يعني: {وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الأَسْبَقُ مِنْهُمَا} (فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، أَوْ قَوَاعِدِهِ) .
يعني: يُنظر في القولين، أيُّ القولين أقرب إلى الأدلة -أدلة الكتاب والسنة-، أو الأقرب إلى قواعد الإمام في الاستنباط. فحينئذٍ يكون هو المعتمد وهو المذهب.
(وَإِلاَّ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الأَسْبَقُ مِنْهُمَا (فَمَذْهَبُهُ) أَيْ: فَمَذْهَبُ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ (أَقْرَبُهُمَا) أَيْ: أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ (مِنْ الْأَدِلَّةِ أَوْ) مِنْ (قَوَاعِدِهِ) أَيْ: قَوَاعِدِ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ. قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُجْتَهَدُ فِي الأَشْبَهِ بِأُصُولِهِ، الأَقْوَى فِي الْحُجَّةِ: فَيَجْعَلَهُ مَذْهَبَهُ.
قال: (وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ) أراد أن يبيِّن؛ لأن الكتاب حنبلي.
(وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ) {مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الإِطْلاقِ} يعني: من بلغوا درجة المجتهد المطلق {الَّذِينَ لَمْ يُؤَلِّفُوا كُتُبًا مُسْتَقِلَّةً فِي الْفِقْهِ كَاللَّيْثِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَنَحْوِهِمْ} إذًا: (وَنَحْوِهِ) عنَى به ليس الشافعي ولا أبا حنيفة ولا مالك؛ لأنهم ألَّفوا في الفقه، وإنما أراد كالليث والأوزاعي ونحوهم.
طبعًا هذه مذاهب السفيانين وغيرهم، هذه أقوال موجودة مبثوثة في كتب الفقه فحسب، وليس لها مذهب ثابت الأركان في أصوله وقواعده لم تُحرَّر.
قال: {فَإِنَّمَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَذْهَبَهُ مِنْ بَعْضِ تَآلِيفِهِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالْفِقْهِ، وَمِنْ أَقْوَالِهِ فِي فَتَاوِيهِ، وَغَيْرِهَا} وهذا أقوال الإمام أحمد.
{وَمِنْ أَفْعَالِهِ} .
إذًا: نظروا إلى قوله ونظروا إلى فعله، فأخذوا المذهب مركبًا من هذين، وإلا الأصل الإمام أحمد لم يؤلِّف، ولذلك قال بعضهم أنه ليس من الفقهاء وإنما هو محدِّث لكونه لم يؤلِّف كتابًا مستقلًا في الفقه، والصواب أنه مُحدِّثٌ فقيه.
قال هنا: {مِنْ بَعْضِ تَآلِيفِهِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالْفِقْهِ، وَمِنْ أَقْوَالِهِ فِي فَتَاوِيهِ، وَغَيْرِهَا} لأن الفتوى هي خلاصة الاجتهاد {وَمِنْ أَفْعَالِهِ} .
قال: (وَنَحْوِهِ مَا قَالَهُ) {صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ بِلَفْظٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، أَوْ بِلَفْظٍ ظَاهِرٍ فِي الْحُكْمِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ} .
(مَا قَالَهُ) قولُه إما أن يكون نصًا وإما أن يكون ظاهرًا، إما أن يكون نصًا لا يحتمل إلا هذا القول، فنفهم مدلولَه الذي نطَق به.
وإما أن يكون ظاهرًا بمعنى أن يكون ظهوره في المعنى الأرجح هو المعتمد، والآخر المعنى المرجوح يحتاج إلى ما يقويه.
قال: (أَوْ جَرَى مَجْرَاهُ) {أَيْ جَرَى مَجْرَى مَا قَالَهُ (مِنْ تَنْبِيهٍ وَغَيْرِهِ) كَقَوْلِهِمْ: أَوْمَأَ إلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ، أَوْ دَلَّ كَلامُهُ عَلَيْهِ، أَوْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ} هذا كله يجري مجرى القول عند الحنابلة.
{وَقَدْ قَسَّمَ أَصْحَابُهُ دَلالَةَ أَلْفَاظِهِ إلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ} يُرجع إلى مظانِّها.