وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّا إذَا مَنَعْنَا مَنْ قَلَّدَ إمَامًا أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَفَعَلَ، وَحَكَمَ بِقَوْلِهِ: فَيَنْبَغِي أَنْ لا يَنْفُذَ قَضَاؤُهُ أنت حنبلي حنبليٌ لا تخرج إلى المذهب الشافعي، لا يجوز .. حرام {لأَنَّهُ فِي ظَنِّهِ أَنَّ إمَامَهُ أَرْجَحُ} .
قال: (وَمَنْ اجْتَهَدَ فَتَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ: حَرُمَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِهِ) .
هذه مسألة خاصة: تغيُّر الاجتهاد قد يؤثر فيما مضى وقد لا يؤثر.
ظن أن الوتر ليس بواجب فتركه فترة، ثم اعتقد أنه واجبٌ لا يلزمه قضاء ما مر، لكن ما ينبني عليه مثل العقود هذه: النكاح أو غيرها .. البيع والشراء، لو تغيّر اجتهاده: كان من اجتهاده أنه تزوَّج بلا وليٍ، ثم تغير اجتهاده فصار يشترط الولي في صحة النكاح قال: (حَرُمَتْ) يعني: لا بد من تصحيح العقد.
(إنْ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِهِ) يعني: إن لم يكن حكم به بين اثنين .. لم ينتشر، فإن حكم به بين اثنين لم تحرم، هذا الذي عناه.
اعْلَمْ أَنَّا إذَا قُلْنَا: يُنْقَضُ الاجْتِهَادُ، فَالنَّظَرُ فِيهِ حِينئذٍ فِي أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ هو .. المجتهد.
{وَالثَّانِي: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلا يَحْرُمُ عَلَى مُقَلِّدٍ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ إمَامِهِ} .
يعني: المقلد إذا اجتهد إمامُه في شيءٍ ما، فإذا تغير اجتهاده هل يحرُم على المقلِّد ما كان أفتى به المجتهد في سابقه لا؛ لأن هذا يتعلق بغير المجتهد وإنما يتعلق بنفسه هو.
قال هنا: إذَا قُلْنَا: يُنْقَضُ الاجْتِهَادُ، فَالنَّظَرُ فِيهِ حِينئذٍ فِي أَمْرَيْنِ:
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ، وَمِثَالُهُ مَا تَقَدَّمَ الذي هو تزوج بلا وليٍ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ بالناس يعني (وَلَا يَحْرُمُ عَلَى مُقَلِّدٍ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ إمَامِهِ) .
أفتاه بأنه يجوز النكاح بلا وليٍ فتزوج. لا يحرم عليه .. على المقلد.
{أَمَّا الأَوَّلُ: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ. فَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ وَجْهُ اجْتِهَادِهِ، كَمَا إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَرَأَى أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَالأَصَحُّ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا} يعني: حكمَ به أو لا.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَلَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ.
وَقِيلَ: لا تَحْرِيمَ مُطْلَقًا حَكَاهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنْ حَكَمَ بِهِ لَمْ تَحْرُمْ. وَإِلاَّ حَرُمَتْ وهذا الذي قدَّمه في المتن.
إن حكم به بين الناس حينئذٍ لم تحرُم؛ لأنه هو واحدٌ من الناس، وإن لم يحكم به حينئذٍ حرمت.