فهرس الكتاب

الصفحة 1777 من 1890

وسبب عدم الترجيح: أنه إذا قيل بما سبق: أنه لا يوجد مجتهد من الذي يفتي بين الناس ويحكم بين الناس؟ إذًا: ضرورة أن يقال بأن المقلِّد لا بد أن ينفُذ حكمُه، وإلا من الذي يفصِل بين الناس في الخصومات وغيرها؟

قلنا: لا يفتي إلا مجتهد ولا يحكم إلا مجتهد. إذًا: لا فتوى ولا قضاء.

ولذلك يقول: (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ: حُكْمُ مُقَلِّدٍ) لا بد أن يصح.

يعني: يقلِّد مذهب الإمام أحمد وهو أتقن المذهب وحفظ أقوال الإمام أحمد، فيحكم بها بين الناس، هذا لا بد منه.

قال: (وَيُنْقَضُ فِي قَوْلٍ: مَا خَالَفَ فِيهِ مَذْهَبَ إمَامِهِ) .

إن خالف مذهب الإمام، هل يُنقض قوله أم لا؟ فيه قولان:

وقال هنا: (فِي قَوْلٍ) كذلك استوى عنده الأمران.

وسبب الإشكال في المسألتين: هو أن الأصل المقلِّد أنه لا يجوز أن يحكم؛ لأنه جاهل .. المقلد جاهل.

فحينئذٍ إذا لم يكن عالمًا بمآخذ الكتاب والسنة وما دل عليه الحق كيف يحكم بين الناس؟ هذا محل إشكالٍ.

قال هنا: (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ: حُكْمُ مُقَلِّدٍ، وَيُنْقَضُ فِي قَوْلٍ: مَا خَالَفَ فِيهِ مَذْهَبَ إمَامِهِ) .

قال هنا في التحبير: ليس للمقلِّد أن يحكم بخلاف مذهب إمامه.

ليس له ذلك .. لا يجوز أن يخرج عن مذهب إمامه؛ لأنه مقلد.

كما أن المجتهد ليس له أن يحكم بغير اجتهاده سواء .. المجتهد يجب عليه أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده، ويحرم عليه التقليد، المقلِّد يحرم عليه الاجتهاد، بالعكس، وهو كذلك مسلَّمٌ في ذلك.

فإذا حكم المقلد بخلاف قول إمامه، انبنى على أنه هل يجوز له تقليد غيره أم لا؟ فإن منعنا نُقض، وإن جوَّزنا فلا.

{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَإِنْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ بِخِلافِ مَذْهَبِ إمَامِهِ، فَإِنْ صَحَّ حُكْمُ الْمُقَلِّدِ انْبَنَى نَقْضُهُ عَلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ} .

يعني: لا يجوز له أن يخرج عن مذهبه، ولذلك قال: يُنْقَضُ مَا خَالَفَ فِيهِ مَذْهَبَ إمَامِهِ، أراد في هذه المسألة وهو حنبليٌ أن يفتي بقول أبي حنيفة، يُنقض قوله؛ لأنه الأصل أنه لا يجوز له أن يحكم، فإذا حكمتَ حينئذٍ تحكُم بما تتقيد به من مذهبٍ، فإذا خرجتَ عنه فحينئذٍ خرجت باجتهادٍ، وهذا لا يجوز الاجتهاد لك، ليس في حقك، وإنما هو في حق غيرك. ولذلك يُنقض قضاؤه.

{ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَمَعْنَاهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَمُرَادُهُ ابْنُ حَمْدَانَ} .

قال: (وَفِي قَوْلٍ مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي نَصَّ إمَامِهِ) وهذا المفتي غير الحاكم، الحاكم شيء والمفتي شيءٌ آخر.

(وَفِي قَوْلٍ مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي نَصَّ إِمَامِهِ: كَمُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّارِعِ) .

تسويةٌ بينهم. يعني: المفتي لا يجوز له أن يخالف نص إمامه، كما لا يجوز له أن يخالف نص الكتاب والسنة، فهما سِيَّان.

قال: ظاهره أنه غير المقلِّد بل هو مفتٍ؛ فيكون المقلد بطريق الأولى.

يعني: عطفَ هذه المسألة على السابقة: أن المقلِّد لا يجوز له أن يخرج عن مذهب إمامه، فإذا كان المفتي الذي هو الأصل فيه أنه مجتهدٌ ولو في المذهب، أنه لو خالف نص إمامه لا يجوز له، فكيف بالمقلِّد؟ من بابٍ أولى وأحرى.

وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: عَمَلُهُ بِقَوْلِ الأَكْثَرِ أَوْلَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت