فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه.
وهذا قول داود الظاهري وأبي ثور، وهو أوضح وأظهر.
قال: (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِهِ طَلَبُ رَبِّ الْحَقِّ) .
وهذا إذا كان من الجهتين كذلك.
{عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ} .
يعني: القاضي له أن ينقض ابتداء ولو لم يطلب صاحب الحق.
وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِهِ طَلَبُ رَبِّ الْحَقِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ: لا يُنْقَضُ إلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
لأن الحاكم لا يستوفي حقًا لمن لا ولاية له عليه بغير مطالبته.
على كلٍ: المسألة فيها خلاف والمعتبر الأول: أنه ينقضه مباشرة، ولو لم يطلب صاحب الحق النقض (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِهِ طَلَبُ رَبِّ الْحَقِّ) لأنه إذا تبين أنه خطأ سواءٌ أقر به من قُضِي له أو لا؛ لأنه صار حكماٌ باطلًا، ولا عبرة بالظن البيِّن خطؤه، وهذا الاجتهاد مبنيٌ على ظنٍ.
حينئذٍ سواءٌ طلب صاحب الحق النقض أو لا ينقضه مباشرة القاضي.
قال: (وَحُكْمُهُ بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ بَاطِلٌ) .
يعني: لو حكم الحاكم بخلاف ما يعتقده، باطل لا يُعتبر.
(وَحُكْمُهُ) {أَيْ: حُكْمُ الْحَاكِمِ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ بَاطِلٌ وَلَوْ قَلَّدَ غَيْرَهُ) فِي الْحُكْمِ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ اتِّفَاقًا} .
يعني: حكَمَ بحكم غيره -بالمذهب- وهو يعتقد أن الحق في غيره، نقول: هذا القضاء باطلًا؛ لأنه غير شرعي.
قال: (وَمَنْ قَضَى بِرَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ نَاسِيًا لَهُ: نَفَذَ وَلَا إِثْمَ) .
{وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ} في الناسي، وفي الذاكر له روايتان: ينفذ .. لا ينفذ.
{وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْجِعُ عَنْهُ وَيَنْقُضُهُ، كَقَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ} .
(مَنْ قَضَى بِرَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ) أو بخلاف رأيه .. لا إشكال.
(نَاسِيًا لَهُ) يعني: ناسيًا لرأيه (نَفَذَ وَلَا إِثْمَ) .
{وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا أَخْطَأَ بِلا تَأْوِيلٍ فَلْيَرُدَّهُ، وَلْيَطْلُبْ صَاحِبَهُ فَيَقْضِي بِحَقٍّ} .
يعني: هذا خلاف ما رجَّحه المصنف وهو أولى.
يعني: إذا نسيَ أن قولَه وما اختاره كذا، فحَكَم بغيره ناسيًا، ثم تنبَّه، هذا كالشأن السابق .. المسألة واحدة، لكن ذاك اعتراه أنه ظنَّ ما ليس بحقٍّ حقًا ثم بان له فرجع.
هنا كذلك: نسي قولَه الذي هو حق، فحينئذٍ لما ارتفع النسيان رجع.
إذًا: الأصل فيه أنه يرجع، فالمسألتان من بابٍ واحد، والصواب هو ما نقله هنا عن أحمد.
قال: (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ: حُكْمُ مُقَلِّدٍ وَيُنْقَضُ فِي قَوْلٍ: مَا خَالَفَ فِيهِ مَذْهَبَ إمَامِهِ) .
المقلِّد هل له أن يحكم؟
قال هنا: (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ: حُكْمُ مُقَلِّدٍ) .
يعني: في القضاء، هل يصح أن يحكم أو لا يصح؟
قال هنا: (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ) إذا قال المصنف: في قولٍ يعني: استوى عنده الخلاف، عنده قولان ولم يرجِّح.
(وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ: حُكْمُ مُقَلِّدٍ) .