فهرس الكتاب

الصفحة 1787 من 1890

قال: (بِلَا) {أَيْ: مِنْ غَيْرِ} .

(بِلَا) لا هنا بمعنى غير، ولذلك دخلت عليها الباء: بلا زادٍ .. مثلها.

(بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) يعني: من غير معرفة دليل المجتهد.

ولذلك عبَّر بعضهم بأخذ مذهب المجتهد؛ لئلا يكون فيه عموم في الغير؛ لأن الغير هذا عام.

(بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) {أَيْ: دَلِيلِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ، وَأَوْجَبَ الْقَوْلَ بِهِ} .

إذًا ينظر في القول دون موجِبه، حينئذٍ إذا اعتقده أنه صحيح واتبعه يسمى مقلدًا.

دون أن يعرف الدليل أو دون أن يعرف مأخذ الدليل؟

الأحق أن يقال: دون أن يعرف مأخذ الدليل؛ لأن معرفة الدليل لا تخرجه عن كونه مقلدًا.

يعني: قد يأخذ الحكم الشرعي ويقول: لقوله تعالى كذا، ولكن ما يدري كيف أُخذ من هذا الدليل هذا الحكم الشرعي! هذا لا زال مقلدًا.

لو قال: الصلاة واجبة لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] ، لو قلتُ للعامي الآن: الصلاة واجبة لقوله: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] .

يأتي يسأل: أنت تقول واجبة ما قال الله تعالى واجبة، من أين أخذت الوجوب من (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] ؟ ما يعرِف.

إذًا: المأخذ شيء والعلم بالدليل شيء آخر، والحق أن يقال بأن الذي يُخرِجه عن حيِّز التقليد إنما هو الوقوف على مآخذ الأحكام الشرعية من أدلتها، أما مجرد الوقوف على الدليل فهذا لا يُخرجه عن كونه مقلدًا.

ولذلك أصحاب المذاهب مقلِّدة، ومع ذلك يعرفون الأدلة.

{فَقَوْلُهُ: أَخْذُ جِنْسٌ. وَالْمُرَادُ بِهِ: اعْتِقَادُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِ فِسْقٍ} .

لأن المجتهد قد يكون فاسقًا، هل يُقلَّد أو لا يقلَّد؟ سيأتي.

{وَقَوْلُهُ: مَذْهَبِ يَشْمَلُ مَا كَانَ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا} المذهب يعني: الحكم الشرعي، الحكم الشرعي قد يكون مأخوذًا من القول وقد يكون مأخوذًا من الفعل.

{وَنِسْبَةُ الْمَذْهَبِ إلَى الْغَيْرِ يَخْرُجُ بِهِ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، وَلا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ} فلا يسمى مذهبًا.

ولذلك لا يقال: مذهب الشافعي وجوب الصلوات الخمس، ولا يقال مذهب أبي حنيفة وجوب صوم رمضان. لا يقال؛ لأن هذه متفق عليها، هذا معلوم من الدين بالضرورة، ولا يأتينَّ آتٍ يقول: مذهب أبي حنيفة تحريم الربا، ومذهب الشافعي تحريم كذا .. نقول: لا. هذه أمور لا تُنسب إلى أشخاص، وإنما هذه يستوي فيها العامي والعالم، يستوي فيها الخاص والعالم.

حينئذٍ نقول: هذه مما يسمى من المعلوم من الدين بالضرورة ليست داخلة فيه، وإنما يقال: مذهب الغير أو قول الغير ما اختَصَّ به مما وقع فيه النزاع.

قال: يَخْرُجُ بِهِ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، وَلا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ إذَا كَانَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا اجْتِهَادٌ، فَإِنَّهَا لا تُسَمَّى مَذْهَبَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت