وقلنا الصواب: هو الوقف، فيتوقف فيها.
{قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْعَامِّيُّ مَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا فِي بَلَدِهِ وَلا غَيْرِهِ. فَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْخِلافِ فِي الْحَظْرِ وَالإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ، وَهُوَ أَقْيَسُ} يعني: الأخير .. الوقف.
ذكر ابن القيم القول الثاني بأنه يخرَّج على خلاف مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد، فيعمل بالأخف أو الأشد أو يتخير. انظر مبنى المسألة هنا آخَر.
ثم قال: الصواب: أنه يجب عليه أن يتقيَ الله ما استطاع، ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله.
قال هنا: (وَيَلْزَمُ الْمُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ) .
يعني: في المسألة، فإذا نظر مرة ووصل إلى الحكم الشرعي لا يعني ذلك ألا يعيد لنظر مرة أخرى بعد زمنٍ.
قال: (وَيَلْزَمُ الْمُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ) متى؟ إذا وقعت واقعة فأفتى فيها ثم تكررت الواقعة، فحينئذٍ يعيد النظر.
(وَيَلْزَمُ الْمُفْتِيَ) يعني: يجب.
(تَكْرِيرُ النَّظَرِ) عِنْدَ تَكْرَارِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ النَّظَرَ كَانَ مُقَلِّدًا لِنَفْسِهِ وهذا من الغرائب.
قال: {لاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ إذَا تَكَرَّرَ النَّظَرُ، قَالَ: وَكَالْقِبْلَةِ يُجْتَهَدُ لَهَا ثَانِيًا وَاعْتُرِضَ فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ أَبَدًا رُدَّ: نَعَمْ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فِيهِ} .
على كلٍ: الصواب أنه لا يلزمه، إذا لم يظهر له شيءٌ جديد في المسألة، ولم يظهر له دليلٌ جديد فيبقى على ما هو عليه، لا يلزمه تَكرار النظر البتة.
لأنه صح اجتهاده الأول وأقامه على دليلٍ شرعي فلا يلزمه أنه يعيد مرة أخرى، وإلا كلما سُئل شخصٌ ما عن مسألةٍ حينئذٍ إذا جاء مستفتٍ آخر قال: اصبر حتى أنظر وأبحث .. متى يتفرغ، ومتى ينظر، ومتى يبحث؟ يعني: يعيد البحث كما بحث مرة أولى وحينئذٍ يُفتي له، وهذا فيه شيءٌ من الكُلفة.
{وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لا يَلْزَمُ} وهو الصحيح أنه لا يلزم تكرار النظر عند تكرار الحادثة.
{لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ} هذا هو الأصل، الدليل هو الدليل والأقوال هي الأقوال والنظر هو النظر والظن هو الظن، ما الذي جدَّ جديد عنده.
ولذلك لو أراد أن يعيد النظر كزماننا هذا لنظر في الفتاوى، والمغني، وإلى آخره والمحلى، إذًا: ما جاء شيءٌ جديد، نعم قد يقال بأن ثَم لو طُبِعت كتب جديدة لأئمة الإسلام وهي كثيرة ويحتمل أن فيها حق ليس في سائر الكتب، قد يقال بأنه يُعيد النظر.
وأما مع بقاء الأدلة كما هي وأقوال العلماء كما هي، فحينئذٍ الإلزام ليس له وجهٌ.
قال: {لا يَلْزَمُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ غَيْرِهِ وَلُزُومُ السُّؤَالِ ثَانِيًا فِيهِ الْخِلافُ فَلا يَكْتَفِي السَّائِلُ بِالْجَوَابِ الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا قُلْنَا فِي تَكَرُّرِ النَّظَرِ} .