قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُمْ.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: ظَاهِرُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَاحِبَ الْحَدِيثِ أَحَقُّ بِالْفُتْيَا، وَحَمَلَهَا عَلَى أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ، أَوْ أَنَّ السُّؤَالَ يَرْجِعُ إلَى الرِّوَايَةِ نعم هو هذا.
إما أنهم فقهاء وإما أن يكون السؤال راجعٌ إلى الرواية يعني: صحة الحديث من عدمه.
{ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ: لا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَحَمَلَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالاحْتِيَاطِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ الأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا، أَوْ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ} .
إذًا الحاصل: أن المسألة مبنية على وجود المجتهد المطلق، هل هو مجود أو لا؟
فمن قال أنه موجود وأنه بكثرة حصر الفتوى فيه، ومن قال بأنه عزيز أو أنه غير موجود اضطُر إلى أن يفتي أربابُ المذاهب الذين هم في الجملة مقلِّدون لأئمتهم.
{قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلاَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِ طُرُقِ الْعِلْمِ مِنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَسْمَعُ مِنْ مُفْتٍ} إلى آخر كلامه.
{وَقَالَ الآمِدِيُّ: بِجَوَازِ بَعْضِ الإِفْتَاءِ بِالتَّقْلِيدِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ بَشَّارٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الإِيضَاحِ وغَيْرُهُ؛ لأَنَّهُ نَاقِلٌ كَالرَّاوِي} .
يعني: المقلِّد الذي هو عالمٌ بأصول مذهبه يجوز له أن يفتي؛ لأنه ناقلٌ للمذهب.
{رُدَّ، لَيْسَ إذًا مُفْتِيًا، بَلْ مُخْبِرٌ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: أَبُو الْخَطَّابِ .. } إلى آخره.
قال: {وَالْمُوَفَّقُ، وَزَادَ: فَيَحْتَاجُ مُخْبِرٌ عَنْ مُعَيَّنٍ مُجْتَهِدٍ، فَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ لا بِفُتْيَاهُ} .
إذًا: حاصل المسألة أنه يجوز لغير المجتهد أن يفتي، إذا كان عالمًا بمأخذ إمامه، حينئذٍ ساغ له الإفتاء ولو كان مقلدًا في الجملة.
وهذه -كما ذكرتُ لكم- أنها بنوها على أصلٍ: أنه لا يفتي إلا مجتهد، إذا قلنا بأن المجتهد هو من علم المسألة، وعرف حقيقتها -يعني: ما يتعلق بها-، وكان عنده مِن تحقُّق الشروط المشترطة في فقه المسائل أو التصدِّي للنظر في الكتاب والسنة، دون أن يُشترط فيه المبالغة في تحقيق تلك الشروط. وهذا يمكن أن يوجد في عدة أزمنة.
ولذلك قوله: (وَلَا يَجُوزُ خُلُوٌّ عَنْهُ) يعني: عن مجتهد.
هذه كذلك مسألة مختلفٌ فيها بين الأصوليين، منهم من يقول ارتفع منذ قِدمٍ وجود المجتهد المطلق، لأنه عزيز؛ لأنهم اشترطوا -عند بعضهم- أن تلك الشروط التي ذكروها سابقًا -في النحو واللغة والأصول- أن يكون غير مقلِّدٍ فيها، وهذا يكاد أن يكون محال وجوده، وإن وُجد في الأئمة الأربعة وغيرهم، لكن لا بد من التقليد في الجملة.
فلما اشتُرط أن يكون مجتهدًا في اللغة وأن يكون مجتهدًا في الحديث، وأن يكون مجتهدًا في علم الكلام، وفي العقيدة .. إلى آخره.