{قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَمِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، مَعَ أَنَّهُ الآنَ} يعني: في الأزمنة المتأخرة مع ضبط العلم واستيعابه {مَعَ أَنَّهُ الآنَ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ الْحَدِيثَ، وَالْفِقْهَ قَدْ دُوِّنَا، وَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالاِجْتِهَادِ مِنْ الآيَاتِ وَالآثَارِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ} وليس كالسابق، أن يذهب ويرتحل يمنة ويسرة، وكذلك أرباب اللغة، ليست العلوم موجودة في الكتب ويأخذها من صدورهم، ولا بد أن يشافه ولا بد أن يسمع .. ! صار العلم مُيسرًا في الكتب.
قال: {لَكِنَّ الْهِمَمَ قَاصِرَةٌ، وَالرَّغَبَاتِ فَاتِرَةٌ، وَنَارَ الْجِدِّ وَالْحَذَرِ خَامِدَةٌ، وَعَيْنَ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ جَامِدَةٌ، اكْتِفَاءً بِالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِغْنَاءً عَنْ التَّعَبِ الْوَكِيدِ، وَهَرَبًا مِنْ الأَثْقَالِ، وَأَرَبًا فِي تَمْشِيَةِ الْحَالِ، وَبُلُوغِ الآمَالِ، وَلَوْ بِأَقَلِّ الأَعْمَالِ} هذا في زمنه رحمه الله تعالى.
{وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فُقِدَ الآنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَمِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ} .
السيوطي ألَّف رسالة في الدفاع عن وجود المجتهد المطلق وعد نفسه هو أنه من المجتهدين.
{وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ أَنْ لا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ} .
وهذا ليس بصحيح، ليس ثَم مجتهد إن نظرنا إلى الشروط التي حققوها أو التي ذكروها، وأما أنه يُشترط في كل ناظرٍ في الكتاب والسنة أن يكون عنده أهلية تؤهله للنظر في المسألة بعينها، هذا لا إشكال أنه موجود وقد يوجد ولا تخلو عنه الأرض.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لَمَّا نَقَلَ كَلامَهُمَا: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
نعم هو يُعتبر من المجتهدين الاجتهاد المطلق ولا شك في ذلك، ابن القيم يعتبر من المجتهدين بلغوا الدرجة العليا، كذلك ابن رجب، والشوكاني، والأمير الصنعاني وغيرهم.
{قَالَ: ابْنُ الْعِرَاقِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ} .
كذلك، إذًا: وُجد في الأمة من هو مجتهدٌ بالاجتهاد الذي يؤهله للنظر في الكتاب والسنة، وأن يستنبط ولو مباشرة.
قال رحمه الله تعالى: (وَمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ حُكْمٍ فَإِخْبَارٌ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لاَ فُتْيَا) .
يعني: إذا أجاب به المقلِّد، المقلِّد لإمامه إن سُئل فأجاب هذا إخبار؛ لأنه ناقل، وهذا هو الحقيقة، هو يُعتبر ناقلًا للمذهب.