فهرس الكتاب

الصفحة 1813 من 1890

وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَاخْتَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ أنه لا يخلو عصرٌ عن مجتهدٍ {وَكَذَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الإِلْمَامِ، بَلْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ، وَكَذَا ابْنُ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ، لَكِنَّ كَلامَهُمْ مُحْتَمِلٌ الْحَمْلَ عَلَى عِمَارَةِ الْوُجُودِ بِالْعُلَمَاءِ، لا عَلَى خُصُوصِ الْمُجْتَهِدِينَ} .

نعم النص لا يدل على خصوص المجتهدين، وإنما يدل على أن الحق أو أن الموحِّدين ظاهرون في ذاك الزمان، لا تخلو الأرض عن موحدين أو عمن يقوموا بالحق، قد يكون مجتهدًا وقد لا يكون مجتهدًا.

فخصوص الاجتهاد والاستدلال بهذا النص فيه شيءٌ من البعد.

{وَاخْتَارَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: جَوَازَ ذَلِكَ، إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ} .

يعني: لا يخلو عصرٌ عن مجتهدٍ هذا من حيث التأصيل يعني: الجواز العقلي، لكنه هل وقع؟ قال: لم يقع.

{وَقِيلَ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ عُدِمَ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ} .

وإنما هذه توجد في الكتب فقط، يعني: وجود المجتهد المطلق هذا موجودٌ في الكتب من حيث التأصيل ومن حيث بيان الشروط التي تتعلق به.

وهذا كما ذكرتُ لكم: وضعوا شروط وبالغوا فيها، وحينئذٍ ما وجودوا من يكون أهلًا لتحقُّق هذه الشروط فنفوه، إذًا: لماذا أنتم نظرتم إلى الشروط؟ هل هذه الشروط جاءت دلالة عليها -من حيث النهاية لا من حيث الأصل- هل جاءت في السنة أو جاء أقوال الصحابة في بيان ذلك أنه لا بد أن يستوفي اللغة العربية بجميع فنونها: الدون والأوسط والمنتَهَى، وكذلك علم الحديث وأن يكون مصحِّحًا بنفسه ومحسِّنًا بنفسه، وأن يكون عالمًا بالرجال، والعلم بالناسخ والمنسوخ، وعلوم القرآن .. هل قال أحد من الصحابة بذلك؟

نقول: لا، وإنما المراد أن يكون عنده من كل علمٍ من هذه الشروط ما يؤهله إلى النظر في الكتاب والسنة، هذا المراد وليس المراد أنه يبلغ المبلغ، ونص على ذلك الشاطبي في الموافقات: أنه لا يكون مجتهدًا مطلقًا في رتبة الإمام أحمد أو غيره إلا إذا بلغ رتبة الاجتهاد في النحو، ورتبة الاجتهاد في الصرف، ورتبة الاجتهاد في .. هذا ليس بصحيح، هذا غلو، وليس عليه أثارة من علم.

وإنما يقال: من استطاع أن ينظر في الكتاب والسنة وعنده ما يؤهله من ذلك؛ لأن الاجتهاد يتجزأ؛ فبعض المسائل قد تحتاج إلى نحو، وبعض المسائل قد لا تحتاج إلى النحو. إذًا: لماذا نشترط عموم النحو؟

لا شك أن الفهم العام للكتاب والسنة لا بد منه في لسان العرب، لكن هل كل مسألة على جهة الانفراد تتعلق بالنحو والصرف والبيان وعلم الحديث؟ قد لا تحتاج.

قد يكون مسألة ذُكرت في القرآن وليس لها نصٌ في السنة، إذًا لماذا نشترط فيها العلم بالسنة والرواية ونحو ذلك؟

وحينئذٍ نقول: الاجتهاد يتبعض ويتجزأ، حينئذٍ ينبني عليه أن تكون هذه الشروط كذلك متبعّضة ومتجزئة، فلا يُشترط في كل مسألة أن يكون حاويًا لجميع الشروط، لكن لما بالغوا وعمموا ووضعوا هذه الشروط على وجه الكمال، حينئذٍ قالوا: عُدِم من زمنٍ طويل، نقول: هذا أصَّلتم تأصيلًا فيه غلو، فحينئذٍ وقعتم فيما وضعتموه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت