حينئذٍ إذا وَجد الأفضل كيف يعدل عنه إلى المفضول؟ يعني: كأنه عمل بالمرجوح مع وجود الراجح، لكن جاء مر معنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفتى بعضُ الصحابة مع وجوده، وهذا معلومٌ قطعًا في زمن الصحابة.
فحينئذٍ من أُفتي من جهة الصحابة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موجودٌ، إذًا أخذوا بقول المفضول قطعًا.
إذًا: لما ورد حينئذٍ قلنا: قاعدة أن يعدل عن راجح إلى المرجوح جاء ما يعارضها.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ اعْتَقَدَهُ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا، لا إنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَوَاعِدِ: أَنْ يُعْدَلَ عَنْ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وغيرهُ: يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ. فَيُقَدَّمُ الأَرْجَحُ.
ولذلك قيل: ليس للعامي اجتهاد إلا هذه المسألة: أن يجتهد ويتحرى وينظر بين العلماء، فيقدِّم الأرجح عنده.
وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُوَفَّقِ فِي الْمُقْنِعِ. وَلأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ بأنه يجوز أن يقلِّد المفضول مع وجود الفاضل {بِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ} أجمعت الأمة على أن أبا بكرٍ أفضل من ابن عباس أو ابن عمر مثلًا، وأفتى ابن عمر مع وجود أبي بكر، وإذا نظرنا إلى الأدلة السابقة: أُفتي والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موجود، وهو واضح بيّن، والاستدلال واضح.
{كَانَ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَائِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِفْتَاءِ الْفَاضِلِ، وَقَالَ تَعَالَى: (( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) )} .
(( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) )أطلق، وأهل الذكر ليسوا على درجة واحدة، ووجَّه الباري وأمر بأن يُسألوا ولم يبيّن مراتبهم من حيث توجه السؤال، فدل على أن كل من صدق عليه أنه من أهل الذكر، فحينئذٍ توجَّه إليه السؤال، فهو لفظٌ عام.
قال: {وَأَيْضًا: فَالْعَامِّيُّ لا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ} وهو كذلك لا يستطيع أن يميز بين هذا أعلم وهذا ليس بأعلم.
وَلَوْ كُلِّفَ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِضَرْبٍ مِنْ الاجْتِهَادِ.
لَكِنْ زَيَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ يعني: الشهرة والاستفاضة {وَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ} إلى الأفضل {وَإِلَى غَيْرِهِ لِكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَتَقْدِيمِ الْعُلَمَاءِ لَهُ} .
على كلٍ هذا اجتهاد في مقابلة ما سبق من النص، ومن فِعل الصحابة وهو كما قال هنا وهو في حكم الإجماع.
استفتي غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل حَكم وأفتى غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنبي موجود، ثم كذلك ما عليه الصحابة من استفتاء من هو مفضولٌ مع وجود الفاضل.
قال: (وَيَلْزَمُهُ إنْ بَانَ لَهُ الْأَرْجَحُ تَقْلِيدُهُ) .
(وَيَلْزَمُهُ) {أَيْ: وَيَلْزَمُ الْعَامِّيَّ}