{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ: طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ} يعني: إذا اتخذ مذهب .. ولو الإمام أحمد، لو اتخذ مذهبه وفي كل صغيرة وكبيرة، إذًا: حقيقتُه أنه سوَّى بينه وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الذي يُطاع في أمره ونهيه مطلقًا هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا سوَّيت غيره به حينئذٍ نقول: ألزمت الناس بما هم منه براء.
قال: {فِي الأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ: طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ} يعني: إجماع الصحابة، دعك من المتأخرين، هم يكادوا يجمعون على أنه يجب التمذهب، لكن هذا إجماع الصحابة وهم الحجة في ذلك.
{وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ} هل يجوز أو لا يجوز؟ وهو كذلك، نحن نقول: بدعة الله أعلم، يُعتبر من البدع .. إلزام الناس بمذهبٍ معيَّن سواء كان من المذاهب الأربعة أو غيرهم، سواء كانوا من الأحياء أو الأموات، نص ابن القيم في الإعلام على أنه من البدع وهو كذلك.
{وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ، أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، أَوْ تَقْوَى، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلا نِزَاعٍ} يعني: خروجُه عن المذهب لا يقدح، نعم، كطالب علمٍ، قد يقول قائل: إذا كنا لا نجتهد ماذا نصنع؟
نقول: تتعلم مذهب معيَّن، ثم إن ظهر لك ظهورًا أوَّليًا بأن مذهب الشافعي أولى في هذه المسألة تقلِّد الشافعي، وإن ظهر أن قول أبي حنيفة أظهر قلَّدت، إن ظهر أن قول بعض العلماء ممن هم خارج المذاهب الأربعة أنه أظهر بدليله، كذلك أَخذ.
وحينئذٍ نقول: لا إشكال بأننا لا نلتزم مذهبًا معينًا، وبأننا ألا نقلِّد.
نقول: لا. نقلِّد والتقليد منه واجبٌ، ومنه جائزٌ، ومنه مكروه، ومنه مندوبٌ، ومنه مباح .. يعني: تتوالى عليه الأحكام الخمسة.
ولكن التزام شخص بعينه في أمره ونهيه نقول: لا، هذا يعتبر من البدع.
ولذلك ابن تيمية قال هنا: وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ، أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، أَوْ تَقْوَى، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلا نِزَاعٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ.
يعني: يجب إذا ظهر له قوة الدليل في قول آخر وجب عليه اتباعه .. يجب عليه أن يتّبعه؛ لأنه اعتقد أنه الحق، ولا يجوز العدول عن الحق البتة.
وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ: مَا ظَنَّهُ أَقْوَى، فَعَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ فِيهِ، وَلَهُ الإِفْتَاءُ بِهِ حَاكِيًا مَذْهَبَ مَنْ قَلَّدَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ: أَنْ يُقِيمَ أَوْثَانًا فِي الْمَعْنَى تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِثْلَ: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، فَيَقُولَ: هَذَا لَيْسَ مَذْهَبُنَا، تَقْلِيدًا لِمُعَظَّمٍ عِنْدَهُ، قَدْ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَقِّ.