(التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ) {فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ} .
وهذه من محاسن مذاهب الحنابلة، وإلا أطبق الأصوليون على أنه يجب أن يتمذهب، ونص على ذلك في جمع الجوامع وغيره، أكثر الأصوليين على أنه يجب أن العامي يلتزم أن يأخذ بمذهب الإمام أحمد بالرخص، والعزائم، والواجبات .. لا يجوز أن يخرُج.
واختلفوا إذا التزم مذهبًا معينًا هل يجوز له أن يخرج عنه أو لا؟ ثم خلافٌ طويل عريض.
فأصّلوا قاعدة هي أشبه بالبدعة، ثم بعد ذلك فرَّعوا عليها من المسائل الأصولية هل يجوز ولا يجوز .. إلى آخره.
الصواب أنه يقال: بأنه لا طاعة لأحدٍ إلا لله تعالى ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الطاعة المطلقة ليس إلا لهذين الأمرين، وما عداهما فهي طاعة مقيَّدة.
ولذلك نص ابن القيم في إعلام الموقعين: أن من ألزم الناس بطاعته. ولو لم يكن من الأئمة الأربعة، لو في هذا الزمن. لو أُلزم الناس بأن يتجهوا لشخص واحد ولا يعدلوا عنه هذا من البدع؛ لأنه لا يُنصب شخص يطاع إلا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يجب اعتقاد هذا ويجب العمل به.
وأما المذاهب الأربعة فلها قدرُها ولها احترامها، ولأئمتها لهم مكانتهم في النفس، لكن لا يجب على أحدٍ أنه يجب ألا يخرج عن قول أحمد أو أنه لا يخرج عن قول الشافعي، فإن اعتقد ذلك فهذا بدعة في الدين؛ لأنه يُعتبر من الحدث.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ما ورد عن الصحابة وقد أطبقوا على أن أبا بكرٍ أفضلهم وأعلمهم، وعمر كذلك، ما أطبقوا على أنه لا يجوز العدول عن قول أبي بكر أو لا يجوز .. ، مع أنه كان خليفة وهو إمامهم وهو أعلمهم وأفضلهم.
ومعلوم أن الصحابة الأربعة هم أفضل الصحابة، وهم على الترتيب في الخلافة، كان إمامًا وقاضيًا وحاكمًا ومفتيًا ومع ذلك كان يفتي ابن عباس ويفتي غيره .. ما ألزموا أحدًا بأن يتوجه.
فدل ذلك إجماعٌ منهم على أنه لا يُلزَم أحد بالتقيُّد بشخصٍ معين، وهذا في أطهر الأعصار فكيف بمن بعدهم؟!
فالقول بأنه يلزم العامي أو يلزم المسلم، أو يلزم طالب العلم أنه لا يخرج عن مذهبٍ معيّن، هذا القول قولٌ محدَث ولا يُلتفت إليه البتة.
هذه المسألة ومسألة أخرى أنه يقلِّد، بمعنى أن طالب العلم أو أن العامي لا يجتهد، وفرقٌ بين أن نقول: يلتزم مذهب معين لا يخرج عنه، لا يجوز الخروج عنه. وبين أن نقول: أنه يقلِّد، فرقٌ بين المسألتين.
فالأصل من لم يتأهل إلى النظر في الكتاب والسنة وفي أقوال أئمة الدين والنظر في الأدلة الواجب في حقه أن يقلِّد، لكن يقلِّد من؟ لا نعيّن له شخصًا بعينه، فرقٌ بين المسألتين.
إذًا: (وَلا يَلْزَمُهُ) {أَيْ: لا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ}
(التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ) {فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ} .
انظر قال: (بِمَذْهَبٍ) لعلَّه أراد العموم، يعني: المذاهب الأربعة وغيرهم، فلا يلزم الناس بمذهبٍ، ليس عندنا مفتي عام.