ثم نقول: سابقٌ ولاحق! هذا لا يُتصور.
قال: {ثُمَّ سَابِقٌ يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا نُقِلَ إجْمَاعَانِ مُتَضَادَّانِ، فَالْمَعْمُولُ بِهِ مِنْهُمَا: هُوَ السَّابِقُ مِنْ الإِجْمَاعَيْنِ، فَيُقَدَّمُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إجْمَاعِ التَّابِعِينَ} كيف يقع هذا؟
إذا أجمع الصحابة فإجماع التابعين باطل ولا يجوز لهم ولا مثال على هذا أصلًا، ولذلك نشدِّد ونقول: باطل ولا وجود له، كيف يُجمع الصحابة على حكمٍ شرعي، ثم الزمن الذي يليه مباشرة، لو كان ثَم فاصل قد يُقال بأنه ضاع الإجماع، لكن التابعون يُجمِعون على خلاف ما أجمع عليه الصحابة؟! هذا من أبعد ما يكون ولا يُتصور.
قال: وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَلُمَّ جَرَّا؛ لأَنَّ السَّابِقَ دَائِمًا أَقْرَبُ إلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْخَيْرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: .
فَإِنْ فُرِضَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ إجْمَاعَانِ فُرض عقلًا {فَالثَّانِي بَاطِلٌ} بل حتى لو كان في عصرين على الصحيح، لكن هو جوَّز المسألة الأولى في عصرين أنه يجوز، والصواب أنه لا يجوز، بل الثاني باطل، سواء كان في عصرٍ واحد أو في عصرين فالإجماع الثاني باطل إن تُصوّر أنه إجماع.
لأَنَّ كُلَّ مَنْ اجْتَهَدَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ الإِجْمَاعَ السَّابِقَ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الإِجْمَاعَيْنِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَالآخَرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ يعني: عندنا إجماعان أحدهما متفقٌ عليه والآخر مختلفٌ في نقله، ثابت أو لا، لا شك أن المتفق عليه مقدم على المختلف فيه.
{وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الْخِلافُ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا أَضْعَفَ. فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى مَا كَانَ الْخِلافُ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا أَقْوَى} .
يعني: اختلفوا في السابق هل هو إجماعٌ أم لا؟ الأكثر على أنه إجماع.
الثاني: هل هو إجماعٌ أو لا؟ الأكثر على أنه ليس بإجماع.
أيهما أقوى؟ الأول، كلها صور عقلية لا وجود لها في الواقع، لكن تفيد طالب الدُّربة فقط.
{فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى مَا كَانَ الْخِلافُ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا أَقْوَى، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ} (وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْ أَقْوَى) .
متفقٌ عليه يقدَّم على المختلف فيه.
(أَوْ أَقْوَى) يعني: ما كان ترجيحه أكثر بإثباته فهو مقدمٌ على غيره.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَوْ ضَعُفَ الْخِلافُ فِيهِ أَوْلَى} .
يعني: في كونه ليس بإجماع،"أو ضعُف الخلاف فيه"يعني: ليس بإجماع، الأكثر على أنه إجماع، والقلة قالوا أنه ليس بإجماع. إذًا: اعتباره أولى.
على كلٍ هذه كلها مسائل لا وجود لها.
{وَكَذَلِكَ إجْمَاعٌ لَمْ يَسْبِقْهُ اخْتِلافٌ مُقَدَّمٌ عَلَى إجْمَاعٍ سَبَقَ فِيهِ اخْتِلافٌ ثُمَّ وَقَعَ الإِجْمَاعُ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ} .
هذه مسألة ذُكِرت معنا: إجماعٌ لم يسبقه اختلاف، يقع؟ نعم يقع. لذلك أجمع الصحابة على كثير من مسائل عقدَية.