وقيل: أن الإمام أحمد عنى بالضعيف هو هذا النوع: الذي يكون من المرسل الذي أرسله كبار التابعين، وهذا له قُوَّتُه.
لكن الأصل أنه ضعيف حتى يَثبُت أنه مرفوعٌ.
قال: (فَقِيَاسٌ) {بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ} .
يعني: قول الصحابي مقدمٌ على القياس، ومر معنا أن الصواب أن قول الصحابي ليس بحجة، وإذا كان كذلك فالقياس مقدَّمٌ على قول الصحابي.
(فَقِيَاسٌ) {بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ} آخر شيءٍ أتى القياس، هذا باعتبار الترتيب.
يعني: (جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رُتْبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا) .
كأنه يقول لك: أن الشرع رتّب من حيث الاستحقاق الأدلة على هذا الترتيب السابق: أنه الإجماع بأنواعه الأربعة، وعلى الخلاف في السابق ونحوه، ثم يأتي الكتاب ومتواتر السنة، ثم الآحاد. (عَلَى مَرَاتِبِهَا فَقَوْلُ صَحَابِيٍّ فَقِيَاسٌ) .
وهذا إن كان عند التعارض لا إشكال فيه.
أما إذا كان المراد بأنه في الاحتجاج لها، والأصل أنها كلها سواء، لا فرق بين الإجماع ولا الكتاب، ولا السنة بأنواعها، ولا القياس، ولا قول الصحابي إن اعتبرناه حجة؛ لأن الحجة المراد به ما يُتمسك به ويصلح أن يثبت به الحكم الشرعي، ولا شك أنها في هذا سواء، كون الكتاب مأخذًا للحكم الشرعي، وكون السنة مأخذًا للحكم الشرعي. من هذه الحيثية هي سواء.
والنظر في البحث في المسائل يكون على جهة السواء، فلا نقدِّم الكتاب على السنة ولا السنة على الكتاب، كلاهما متلازمان، كلٌ منهما محتاجٌ إلى الآخر.
بل قيل: احتياج الكتاب للسنة أكثر من احتياج السنة للكتاب، وقد نص على ذلك غير واحدٍ من الأئمة.
هذا من حيث الاحتجاج، أما إذا وقع التعارض فهذا شيءٌ آخر.
فالترتيب من حيث الاحتجاج نقول: كلها في مقامٍ واحد، والتفريق الذي ذكره المصنف إن كان عند المخالفة والتعارض فحينئذٍ لا إشكال فيه.
قال: {وَأَمَّا} (التَّعَارُضُ) التعارُض تفاعُل، وهو في اللغة التمانع، ومنه تعارُض البيِّنات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
إذًا: التعارض هو التمانع.
قال: {فَهُوَ} : (تَقَابُلُ دَلِيلَيْنِ وَلَوْ عَامَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ) .
يعني: كلٌ منهما يمنع الآخر.
قوله: (وَلَوْ عَامَّيْنِ) بمعنى أن ثَم خلافًا في العام والعام، هل يقع بينهما تعارض أم لا؟ قال: (وَلَوْ) فيه دفعًا للخلاف؛ لإدخال هذا النوع.
(تَقَابُلُ دَلِيلَيْنِ وَلَوْ عَامَّيْنِ) وهذا عند أكثر أهل العلم.
{فِي الأَصَحِّ} يعني: في العامين دون غيره.
(عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ) على طريق الممانعة.
بيَّن كيفية الممانعة بين الدليلين سواء كان خاص وخاص، عام وخاص .. إلى آخره، مطلقًا دون تفصيل، ولذلك قال: (تَقَابُلُ دَلِيلَيْنِ) ، (عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ) أطلق الدليلين، وحينئذٍ لا تفصيل.
ولو كان بين عامين؛ لأن بعضهم منع أن يكون بين عامين تعارض، والصواب أنه يقع التعارض والممانعة.
قال: وجهُ ذلك {إذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ: يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالدَّلِيلُ الآخَرُ: يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ} .
حصلت الممانعة أو لا؟ حصلت الممانعة.